من كتاباتي

أفــول النجم

بسم الله الرحمن الرحيم

في ظل الركود السياسي القائم والتجاذبات التي تحكم خطى الفرقاء السياسيين ، وفي ظل عدم وجود أفق واضح يمكن البناء عليه والسير فيه للوصول إلى اتفاق يحدد معالم مرحلة الحوار الوطني المنشود ، وفي ظل مرحلة الارتهان للمبادرة الخليجية و الآلية التنفيذية وما آل إليه الوضع اليوم في اليمن من انعدام الاستقرار السياسي ، نرى ان الكل يمعن السير في الطريق الموصلة إلى نقطة “ انعدام الوزن.

إن مرحلة انعدام الوزن التي انعكست سلباً علينا ، قد ولدت لدى الجميع نوعاً من عدم الاستقرار الفكري ، ليتحجم مع هذا الانعكاس منهج التفكير السلبي في مواجهة القضايا الاساسية المطروحة على مستوى الوطن ، اذ غاب التشخيص الواقعي ولم تُستوعب التحديات ليتخلى جل ابناء اليمن العقلاء عن مسئوليتهم ويعزفوا عن تحمل دورهم الايجابي ، فركن العوام على النخب ، وغابت النخب عن الواقع ، وانساق من لا سائق له للقيل والقال لترديد الشائعات وتوزيع التهم لهذا وذاك بعيداً عن احكام العقل فيما يقال ، ودونما وزن لما يردد .. والهدف ابعاد الكل عن مشروع التغيير والإصلاح والنهوض بالأمة .
نعم .. لقد غاب العقل الناهض فغاب معه مشروع النهضة ، اذ كيف يمكن بناء نهضة بغير عقل ناهض يقيم ويرجح ويراجع ويحكم ويقيس ويؤسس للرؤية التي تتعاضد مع الواقع ..الواقع الذي يشير الى ان « النجم » قد أفل بكل حسناته وسيئاته ، وان مع كل أفول نجم تثار الزوابع فيرمي « النجم الآفل» بكل ما علق به من الادران على هذا وذاك دون وعي منه او ادراك ، ودونما ايمان منه أن من يحدث له ما هو في الاصل الا سنة من سنن الله في الكون ، وان كل محاولاته البائسة واستخدامه للقوة الطاردة للتشبث بالمجرة لن يكتب لها النجاح .
على أن قوة الطرد التى يستخدمها والآلية التي ينتهجها هذا « النجم» لرفض التغيير والإصلاح قد وجدت مرتعها في عقول اصحاب المصلحة الضيقة الذين ماتت ضمائرهم وقتلت قيمهم وخنقتهم مصالحهم فغدوا أسرى لذواتهم لا يستطيعوا الفرار من واقعهم ، متخندقين خلف الجدران الواهية التي بنيت من خيوط العنكبوت ( وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون) (العنكبوت41 ) غير آبهين بمن حولهم فهم يعيشون على الأشلاء ، يدفنون فضائحهم التى تزكم الانوف فيرمون غيرهم بما فيهم ، رافعين شعاراتهم البالية طمعاً في جذب المجرة نحوهم مرة اخرى ، مستغلين ضعف «النجم ألآفل» وحرصهم على استمرار بريقه الخافت ، لا ينفكوا عن ترديد اكاذيبهم المدفوعة والبحث عن الترهات وخداع البسطاء لتحقيق مآربهم ، غير مدركين أن ألاعيب الأمس وانتهاج سياسة الدس والخديعة وتدنيس العقول لن يكون لها من يساندها اليوم ، فالعقل مازال يذكر ويمقت من مارس علية الخديعة والغش ونهب الارض والإنسان وجعل من سلطته مرتعاً لممارسة الجور السياسي والجور الإنساني طيلة الثلاثين سنة الماضية ، ظانين أن استكانة من يتطاولون عليهم هو ضعف وخنوع ، متناسين ان الاستكانة والحلم هي من الرفعة ، وأن الحر لا ينساق خلف الرويبضة ، نعم هو الزمن الذي مكنهم مما هم فيه ، ونحن نشفق عليهم لضعفهم وقلة حيلتهم ، فلا يجب أن يدار لهم بال ، فنحن في الزمن الذي يكذّب فيه الصادق ويخوّن فيه الامين ، مدركين أن من أهم مراحل التغيير والإصلاح الانطلاق بوعي نحو تحصين الامة من التفاعل الهدام مع كل ما يصدر عن « النجم الآفل» ومع كل ما ينشره من غث مهما كانت الالفاظ البلاغية التي يستخدمها ، فلاشيء يغتال الوعي مثل الكلمات المنمقة التي تعتلي عقول السذج من الناس.
إن التغيير والإصلاح المنشود يجب أن يستجيب لتطلعات الأمة ، خاصة أن المرحلة التي يمر بها شعبنا اليمني تعد من أشد مراحل التغيير صعوبة ، فاليمن سائر في منعطف تاريخي هام يجب أن يوصله إلى الطريق الصحيح لتحقيق النهضة والتأسيس والتهيئة لبناء الدولة المدنية الحديثة ، دولة المؤسسات والقانون ، الدولة التي يسن فيها مبدأ الثواب والعقاب ، فيحاسب الكبير قبل الصغير ويسأل فيها الوزير قبل الغفير ، مرحلة يتم فيها محاسبة كل مسؤول تولى المسؤولية في أي مرفق من مرافق الدولة من خلال الإصرار العملي على تنفيذ مبدأ ( من أين لك هذا ؟ ) .
لقد انتهى زمن الخنوع والسكوت والذل والخوف وخرج جل الشعب اليمني ينشد الاصلاح والتغيير وأضحى الجميع مطالبين في السير نحو اجراء مصالحة وطنية تتسم بالمصداقية والتجرد ، والمضي في الطريق التي تتسق ورؤية الثورة ، فيتخطى الفرقاء السياسيون واقع استبدال نظام سابق بنظام جديد يعتمد على نفس الآليات والمرتكزات التي اعتمد عليها النظام السابق ، إذ إن ذلك من شأنه ان يولد حالة من الحنق السياسي في أوساط المجتمع ليتحول ذلك تدريجياً إلىقوة دافعة «للنجم الآفل» فيستعيد هذا النجم انفاسه ، وهذا لعمري لهو المسعى الذي يسعى اليه ليعجل بالجميع للوصول الى نقطة انعدام الوزن .
من هنا نجد أن من الأهمية أن تستوعب كل القوى السياسية لدورها ، فيعمل الجميع على تصحيح مفاهيم الشراكة لخلق توافق سياسي يضمن لجميع الفرقاء السياسيين الدخول في الحوار الوطني من بوابة الشراكة الوطنية ، وأن يُعمد إلى النخب السياسية للعب الدور الاساسي الفاعل لإذابة الجليد ، وإغلاق الملفات الجانبية ، وتصحيح اخطاء الماضي ، وأن تضع كل التيارات السياسية نصب اعينها اهمية اعادة الهيبة لمؤسسات الدولة ، وبما يضمن تحقيق الأمن والاستقرار ، وإعادة بناء النسيج الاجتماعي لتعزيز قيم المجتمع ، ووضع حد للنزاعات المذهبية والمناطقية والسلالية ، مع ضمان وجود توازن في الرؤى لمختلف القوى السياسية بحرية ودونما قيود تفرض من هنا او هناك ، على هذا او ذاك في إطار نهج ديمقراطي لا يستثني أحداً بما فيهم الإخوة في المؤتمر الشعبي العام ، وصولاً لتأسيس عقد اجتماعي ناظم لعلاقة الفرد بالمجتمع بعيداً عن الفساد والمحسوبية والأنا الضيقة ، وبعيداً عن الولاءات الحزبية والعصبيات القبيلة المقيتة والمذاهب المفرقة، وأن نتجاوز واقع ما نراه وما نعايشه اليوم إلى واقع أكثر اشراقاً ، واقع يحقق الحياة الكريمة لأبناء اليمن وينقل اليمن من حال إلى حال .

والله من وراء القصد ،،،

نبيل حسن الفقيه

Standard