يوليو 6, 2020

بسم الله الرحمن الرحيم

الموظف والوظيفة العامة

من المتعارف عليه ان كل شخص عهدت إليه وظيفة عامة في احدى مؤسسات الدولة، وصدر له قرار تعيين حكومي، و ثُبِّتْ في درجة وظيفية مدرجة في الهرم الوظيفي لدوائر الدولة المركزية او المحلية او في المرافق التابعة لهما، له من الحقوق ما يضمنه له القانون دونما انتقاص لهذه الحقوق بسبب العجز في التمكين الوظيفي الناتج عن الوضاع السياسية للدولة.

لا يختلف اثنين في أن مسؤولية الحكومة الشرعية يجب ان تتجاوز المساحة الجغرافية التي تسيطر عليها وان تغطي مظلة الحكومة كامل أراضي الجمهورية اليمنية بغض النظر عن وجود تمرد وانقلاب عليها من هنا وهناك(الحوثي/المجلس الانتقالي)، وان من اهم ما يمكن ان ترسخه الحكومة في اذهان المواطنين هو قدرتها على إيصال خدماتها وبسط نفوذها، وتسليم مرتبات موظفيها بغض النظر ان كان هؤلاء الموظفين قابعين تحت سلطة الحوثي او المجلس الانتقالي، او انهم قابعين تحت مظلة الشرعية، فالحكومة هي حكومة الجمهورية اليمنية التي تعد مسؤولة امام المجتمع على كل موظفي الدولة، وليس ذنب الموظف ان الحكومة الشرعية هي من عجزت عن انهاء الانقلاب او هي من عجزت عن بسط سلطتها وتحصيل مواردها، والا ما هو الفرق بين الحكومة الشرعية والمتمردين اذا كان التعامل مع الموظف سينطلق من نفس زاوية تعامل المتمردين مع الموظف المغلوب على امره.

من هنا كان ان تضمنت توصيات مجلس النواب قيام الحكومة بسرعة صرف مرتبات الموظفين في كافة القطاعات، ولكن للأسف لم نجد أي تجاوب من رئيس الحكومة … فحالة الا مبالاة تجاه هذا الملف كان هو السائد، رغم ان المخرج لتوفير المخصصات كان يمكن ان يتم من خلال وضع هذا الملف امام المبعوث الاممي والأمم المتحدة بحيث يتم اعتماد المقاصة الداخلية و تحويل مرتبات الموظفين المتبقيين من المبالغ التي يتحصل عليه الحوثيين في المناطق غير المحررة، إعتماداً على قاعدة البيانات المعتمدة لدى وزارة الخدمة المدنية والتأمينات لعام 2014م، وبحيث يتم تحويل المستحقات لحسابات الموظفين بشكل مباشر ، علماً بأن وزارة الخدمة المدنية أعدت خدمة (وثق) لاستقاء المعلومات الأساسية لكل موظفي وحدات الخدمة العامة في عموم اليمن، بما في ذلك تحديد الحسابات البنكية التي يرغب كل موظف استلام مرتباته من خلالها، الا انه للأسف ورغم المحاولات العديدة لأطلاق هذا المشروع الا ان عدم تجاوب رئيس الحكومة كان هو السائد.

و مما لا شك فيه ان التعيينات التي حدثت في مختلف وحدات الخدمة العامة وفي السفارات والمحافظات المؤسسات والهيئات والصناديق بالمخالفة للدستور والقانون قد اثرت سلباً على الأداء العام لمختلف أجهزة الدولة، وقد صدر عن مجلس النواب توصية ذات أهمية بالغة تتمثل في التوجيه للحكومة بإعادة النظر في التعيينات التي تمت خلال الفترة الماضية في المناصب الإدارية والدبلوماسية والعسكرية وتطبيق قانون شغل الوظيفة.

لقد حددت التشريعات المنظمة لشئون الوظيفة العامة أُسُسْ شغل الوظائف العامة والتعيين فيها، بدء من وظائف الادارة العليا / وكيل وزارة وما في مستواها، وحتى وظيفة مدير إدارة عامة وما في مستواها، وكذا بقية المجموعات الوظيفية التخصصية والإشرافية وما دونها، ووضعت النصوص المنظمة لذلك في قانون الخدمة المدنية رقم (19) لسنة 1991م، ولائحته التنفيذية واللائحة التنفيذية لقانون الأجور رقم (99) لعام 2006م، وكذا قرار رئيس مجلس الوزراء رقم (149) في العام 2007م، بشأن نظام التعيين بالوظيفة العامة، حيث بينت كل تلكم القوانين واللوائح التفصيل المختلف للجوانب المتصلة بالتعيين من شروط ومتطلبات شغل، وحددت الإجراءات المطلوب إتباعها عند الاختيار لشغلها وسلطة التعيين فيها، والهادفة من كل ذلك ترسيخ مبدئي العدالة والجدارة في شغل الوظائف، وهو ما افتقدته معظم قرارات التعيين التي صدرت خلال الفترة الماضية، واثر كل ذلك سلباً على كفاءة أداء الأجهزة الحكومية للمهام المناطة بها، وتسبب في تدني مستوى الرضاء عنها من قبل المواطن وخلق درجة عالية من الاحتقان لدى المستحقين من الموظفين لتجاوز معايير الاستحقاق القانوني.

ولأهمية إيقاف العبث بالوظيفة العامة تم طلب إيقاف اصدار قرارات التعيين في كل المستويات الإدارية، وكذا التعيين الجديد، و الالتزام بالمرجعيات المنظمة لشغل الوظيفة العامة وعدم تجاوزها، ومن أهمها عرض الترشيحات مسبقاً على وزارة الخدمة المدنية استناداً الى نص الفقرة 4 من المادة 20 من اللائحة التنفيذية لقانون الأجور والمرتبات، والتي نصت على انه يلزم قبل صدور أي قرار للتعيين في وظائف الإدارة العليا او الإدارة الاشرافية صدور فتوى من وزارة الخدمة المدنية تؤكد وجود الوظيفة في الهيكل التنظيمي والوظيفي المعتمد للوحدة واستيفاء المرشح للشروط القانونية المؤهلة لشغلها.
إلا ان ما يؤسف له هو تجاهل كل ذلك ، فكان ان شرعت وزارة الخدمة في حصر كل قرارات التعيين في وحدات الخدمة العامة المركزية والمحلية الصادرة للفترة 2014-2019م، وكذا مراجعة التعيينات في ضوء شروط شغل الوظائف العامة المنصوص عليها في تشريعات الخدمة المدنية ومدى توافقها مع بيانات المعينين من واقع المصادر الاساسية لاستيفاء البيانات الوظيفية للموظف، وللأسف كان اعتراض رئيس الوزراء لهذا الإجراءات وتوجيهاته بعدم تسليم وزارة الخدمة المدنية لقرارات التعيين، والتي كانت تصدر دونما أي اعتبار للقانون وللوائح الناظمة لعمليات التعيين في وحدات الخدمة العامة.

مُؤَكّدْ ان الجميع يدرك ان الجهاز الإداري للدولة يعاني من التضخم ومن الترهل نتيجة سياسة التوظيف التي سادت مختلف المراحل التي مرت على الوظيفة العامة … وان الجانب السياسي قد لعب دوراً سلبياً في هذا الإطار، وما زاد الطين بله هو استيلاء الحوثيين على مقدرات الدولة وتجريف الوظيفة العامة فكانت النتيجة الكارثية المتمثلة في التوظيف بالتجاوز للقانون لسد الاحتياج، وحل الكم على حساب الكيف في مختلف مؤسسات الدولة… لذا كانت المطالبة بوقف كل التعيينات الجديدة المخالفة للقانون والالتزام بشروط شغل الوظيفة العامة، وان يتم الاحلال بدلاً عن المتقاعدين في الحدود الدنيا، شريطة تطبيق احكام ونصوص القانون ووفق الاحتياج الفعلي، ورغم تكرار عرض ذلك على رئيس الحكومة الا اننا لم نجد الاذان الصاغية.

وحتى نبين مقدار ما يعانيه جُلْ العاملين في القطاع العام من مصاعب لتنفيذ مهام أعمالهم، فإن التطرق الي بيئة العمل يجب ان تُبين هنا، خاصة وان الأهمية كانت تقتضي عودة الحكومة بكامل وزرائها والعاملين فيها لمزاولة أعمالهم من العاصمة المؤقتة عدن، لما لذلك من اثر في تطبيع الأوضاع في العاصمة عدن… إلا ان ما يؤسف له هو ان هذا الامر لم يوضع ضمن أولويات الحكومة، على الرغم من تطرق معظم الوزراء في اجتماعات المجلس لهذا الامر ومطالبتهم توفير البيئة المناسبة ادارياً وامنياً، و توفير المتطلبات اللوجستية وفي مقدمة ذلك تامين السكن المناسب والامن (خارج قصر المعاشيق)، وتوفير وسائل المواصلات الثابتة وإزالة المعوقات السياسية التي يعلمها الجميع والتي حالت دون عودة بعض اعضاء الحكومة لمزاولة أعمالهم من العاصمة المؤقتة عدن، ورغم التذمر والامتعاض الذي كان يظهره بعض الوزراء الا ان كل ذلك لم يحرك مؤسسة رئاسة الوزراء لوضع خطوات تضمن استقرار الحكومة في عدن، بل ان رئاسة الحكومة عمدت الى الانصياع للمجلس الانتقالي ومنعت الوزراء من العودة الى عدن بعد ان خرجوا منها في أغسطس 2019م، ومنع الجميع من العودة لممارسة مهامهم، ليعود بعد ذلك رئيس الوزراء وبعض اعضاء الحكومة بعد توقيع اتفاق الرياض، و ليخرج منها ثانية بعد استيلاء المجلس الانتقالي على السلطة وإعلان الإدارة الذاتية في عدن وما جاورها.

ولا تختلف بيئة العمل في سفارتنا بالخارج عن البيئة في الداخل، حيث انصب اهتمام كل العاملين في سفاراتنا دون استثناء في متابعة المستحقات المالية وتعيين الأقارب هنا وهناك، والبحث في امر دراسة الأولاد، ودراسة سبل الاستقرار الاسري للعاملين في السفارات (ما بعد انتهاء فترة التعيين)… مما استوجب معه مطالبة الأخ رئيس الوزراء بسرعة إيجاد الحلول الناجعة لكل الموظفين في سفارتنا وحث الجميع على حسن تمثيل اليمن وليس التمثيل باليمن من خلال استغلال مواقعهم في السفارات مع ضرورة اجراء تغييرات شاملة للسفراء الذين اثبتوا فشلهم في مختلف الدول، و إلزام وزارة الخارجية بمراجعة كل القرارات التي صدرت بالتعيين او التوظيف خارج كادر وزارة الخارجية، وإلغاء كل قرارات تعيين أقارب المسؤولين من وزراء ومحافظين وسفراء من الدرجة الاولى والثانية، مع الغاء كل الملحقيات المستحدثة ما بعد 2014م، وهو مالم يتم حتى الان.

وللحديث بقية..

والله الموفق،،،
نبيل حسن الفقيه
6 يوليو 2020م