يوليو 14, 2020

بسم الله الرحمن الرحيم

الإقتصاد آخر الإهتمامات

أدى التدهور الحاد في جميع مرافق الدولة والإنخفاض الشديد في الموارد من العملة الأجنبية، وإنخفاض معدلات النمو وما نتج عنه من عدم قدرة الدولة على الدفع بعجلة الإقتصاد من الموارد الذاتية، وعدم قدرة الحكومة على سداد العجز في ميزان المدفوعات وإرتفاع الديون السيادية إلى كارثة إقتصادية ستلازم اليمن لفترة طويلة من الزمن.

ولذا كان من المفترض أن يضع مجلس الوزراء الملف الإقتصادي ضمن الأولويات الأساسية في كل إجتماعاته وان يولي الجانب الإقتصادي جُل إهتمامه.. إلا أن ذلك لم يحدث، وهذا ما استدعى لفت نظر رئيس الوزراء، والمطالبة بإعتماد سلسلة من الإصلاحات الأساسية والتي منها وضع برنامج زمني للإصلاح المالي يتوافق مع ظروف ومقدرات الدولة.. ومن أهم الإصلاحات في هذا الجانب سرعة فصل الخزينة العامة للدولة عن البنك المركزي اليمني، واعتماد أحدث الطرق في إعداد الموازنات العامة والتقارير والكشوفات المالية للحد من منافذ الهدر والفساد المالي.. ومن ذلك الإعداد لإعتماد الموازنة الصفرية للعام القادم 2020م، مع سرعة إقرار سلسة من الإصلاحات المؤسسيّة للهيكل المالي والاداري للدولة وتهيئة البيئة الصالحة لإستقبال الإستثمارات الأجنبية، وتحسين مناخ الإستثمار من خلال ضبط الإجراءات الأمنية في المحافظات المحررة (سرعة الإتفاق مع دولة الإمارات لتوحيد الأجهزة الأمنية وتفعيل غرفة العمليات المشتركة).

بالإضافة إلى ضرورة توفير البيئة الآمنة لإنعاش الإقتصاد الوطني في المناطق المحررة خاصة في مدينة عدن، وإنهاء العنف والفوضى والإنفلات الأمني، و إزالة العراقيل أمام عودة الشركات الوطنية والأجنبية للعمل في مجال النفط والغاز وفي مختلف الحقول (حضرموت / شبوة /مأرب)، وإعادة هيكلة القطاعات الإقتصادية التي تُعاني من تذبذب الإنتاج، بما يُمكنها من تحسين أداءها وتطوير مستوي خدماتها ورفع ملائتها المالية بالإستعانة بصندوق النقد الدولي لتدريب وتأهيل الكوادر الاقتصادية والمالية.

عجزت الحكومة عن وضع رؤيتها في إعادة فتح الموانئ والمنافذ والمطارات في المناطق المحررة وتوسيع أنشطتها، وإلغاء كافة القيود التي تحول دون القيام بدورها، بعد أن عرقت الإمارات وصول السفن والطائرات والشاحنات إلى الأراضي المحررة، و وُضِعَ أمام رئيس الحكومة أهمية إعادة سيطرة الحكومة على المنافذ الجوية، وتقديم التسهيلات والضمانات والأجواء الآمنة لعودتها للعمل من مطار عدن/سيؤن/الريان/الحديدة.

لم نجد الآذان الصاغية، و لا التجاوب المؤمل لأدراج تلك النقاط ضمن مناقشات مجلس الوزراء، فكان الرفع لرئيس الوزراء بخطاب مفصل على أمل أن نجد تجاوب يُمكن أن يساعد على إيلاء الملف الإقتصادي الأهمية القصوى من مجلس الوزراء.. و لكن للأسف وُضِعَ الخطاب في دُرج رئيس الوزراء كما هي العادة.

عانت الحكومة من ضغوط كان يُمكن تجاوُزها، و وُصِمت الحكومة اليمنية بالفساد، ولم تجد هذه الحكومة من يدفع عنها التُهم التي سيقت إليها نتيجة المماحكات السياسية، وأدى ذلك إلى زعزعة ثقة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمانحين بالجهاز الحكومي، ولم تحرص الحكومة على إنتهاج مبداء المُسَاءلة والشفافية،، ولم تُفَعّلْ الأجهزة الرقابية (الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة) لأداء دورها في ذلك، إضافة إلى الغياب الكلي لجهاز مكافحة الفساد الذي عانى من ضعف شديد في أداء مهامه.

لقد إستَوجَبْ الإمر العمل على إعادة هيكلة وتأهيل العاملين في جهاز الرقابة والمحاسبة وهيئة مكافحة الفساد، لضمان الحصول على نتائج إيجابية تضمن الشفافية و المُسَاءلة لكل الجهاز الحكومي، إلا أن ذلك لم يتم، حيث وُضِعَ أمام الأخ رئيس الوزراء تقرير إجتماعات الحكومة مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والذي شدد على سرعة تفعيل أداء الأجهزة الرقابية، وإصلاح منظومة عمل البنك المركزي، وتعيين محاسب قانوني للبنك المركزي، ولكن للأسف لم تجد التوصيات التي سيقت أي تجاوب.

لقد أُعْتُمِدَ القطاع الخاص كبديل لتقديم الخدمات الأساسية للمواطن في ظل الغياب التام للحكومة، وكنتيجة طبيعية لغياب الحكومة إرتفعت كُلفة الخدمات أمام الشعب الفاقد لمصادر دخوله، مما أدى إلى تفاقم الأوضاع المعيشية والإنسانية في اليمن، بالإضافة إلى عجز الحكومة عن إتخاذ أي إجراءات لخفض الإنفاق والتمويل الحكومي، وتعزيز النمو الإقتصادي، ولم يجد القطاع الخاص أي إهتمام من الحكومة، رغم الإدراك أن القطاع الخاص كان يُساهم بأكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي قبل الحرب، واصبح اللاعب الرئيسي اليوم بعد إن عجز القطاع العام عن أداء دوره، ولم تقم الحكومة بأي خطوات للإستفادة من الكفاءات الإدارية والتقنية والقدرات التمويلية الذي يمتلكه القطاع الخاص، ولم تعر الحكومة أي إعتبار لأهمية تهيئة البيئة الجاذبة للإستثمارات الوطنية والإقليمية والأجنبية، وبما يُساعد على تحقيق قيمة مضافة للإقتصاد الوطني.

عانى ويعاني القطاع الخاص من أزمة مالية نتيجة توقف دوران العجلة الإقتصادية، بعد ان تم توقف دفع المرتبات للسواد الأعظم من الموظفين، وتَوَقُفْ الإنفاق على تشغيل مرافق الخدمات العامة، وتجميد مشاريع البرنامج الإستثماري العام، وتَوَقُفْ سداد المتأخرات المستحقة لقطاع المقاولات والموردين البالغة مئات المليارات، مما أدى إلى رفع تكاليف الإنتاج والنقل والتخزين، وبالتالي تدني العوائد وزيادة الأسعار، وتكبد القطاع الخاص لخسائر ستؤدي إلى إيقاف ما تبقى من أنشطته التجارية والإستثمارية.

لقد فشلت الحكومة في إدارة الملف الإقتصادي، وانغمست الحكومة في الأمور الثانوية والهامشية، مما ولد حالة من الإحباط لدى الجميع نتيجة الإخفاقات المتلاحقة للحكومة، وتفاقم الأوضاع الإقتصادية بعد عجز البنك المركزي اليمني عن تحقيق إستقرار في قيمة العملة المحلية في المناطق المحررة، حيث سجل الريال اليمني تراجُعاً وصل إلى ما دون 750 ريال للدولار، وظهر التفاوت الكبير في أسعار الصرف فيما بين المناطق المحررة والمناطق الخاضعة لإدارة الانقلابيين الحوثيين، وصل لأكثر من 150 ريال تقريباً، بالإضافة إلى إختراق تنفيذ قرار مجلس الوزراء رقم (75) والقرار رقم (49)، والتي كان يهدُف منها تحقيق الإستقرار للعملة الوطنية، عن طريق إعادة الدورة النقدية من السوق السوداء إلى القطاع المصرفي الرسمي وإستعادة الثقة فيه، و تفعيل الضوابط الدولية لمكافحة غسيل الأموال و مكافحة تمويل الإرهاب، و إيقاف التجارة غير القانونية للمشتقات النفطية في اليمن، و توفير إحتياجات إستيراد السلع الغذائية و الوقود وُفقاً للآليات و الضوابط و الشروط التي حددتها قرارات الحكومة.

لقد تم تجاهل كل المطالب الخاصة بتفعيل المجلس الإقتصادي الأعلى، بعد أن تم إعادة تشكيل حكومة الدكتور معين، وعندما تفاقمت الأوضاع الإقتصادية وزادت الضغوط، فُعِّلَْ المجلس الإقتصادي الأعلى، ولكن بعد أن تم إفشال عقد مجلس الوزراء لجلساته.. حيث تم دعوة المجلس الإقتصادي الأعلى من قبل رئيس الوزراء، و عُقِد دون إكتمال النصاب القانوني في مخالفة لقرار إنشاء المجلس رقم 87 لعام 2008م، والذي حدد فيه مهام وإختصاصات المجلس والنصاب القانوني له، بالإضافة إلى ذلك قيام المجلس بإصدار القرارات الإقتصادية دون أن يكون له وجه الحق القانوني في إتخاذ القرارات، إذ أُنِيطَ بالمجلس الإقتصادي دراسة القضايا الإقتصادية والمالية للدولة، بما في ذلك دراسة السياسة النقدية المُعَدة من الجهات المعنية (البنك المركزي)، وبحث القضايا المتعلقة بتنمية الموارد، بما فيها موارد النقد الأجنبي، ودراسة سياسة تنظيم الإستيراد على ضوء الميزانيتين السلعية والنقدية، بالإضافة لدراسة ترشيد الإنفاق الجاري والرأسمالي، إلى آخره من القضايا المرتبطة بالمجالات الإقتصادية والمالية والتنموية، على أن ترفع و تُقَدم تقارير ونتائج أعمال المجلس الإقتصادي لمجلس الوزراء لمناقشتها وإقرارها وهو مالم يتم وفقاً للدستور والقانون.

وللحديث بقية..

والله الموفق،،،
نبيل حسن الفقيه
14 يوليو 2020م

الرجوع إلى أعلى الصفحة