من كتاباتي

الإسلام المستنير … الفكر القادم

بسم الله الرحمن الرحيم

إجابة فكرية مطولة على سؤال جدلي: كيف نصل إلى الليبرالية الإسلامية..؟ !

الكل يدرك أن ثقافة البناء تعد نهجا ثابتا في الإسلام، وان الإنسان المسلم تترسخ لديه ثقافة البناء لا ثقافة الهدم والدمار، بل وان المسلم ينبغي أن يؤمن بأن الحضارة الإنسانية ماهي إلا إرثٌ بشــريٌ تراكمت فيها المعارف والثقافات المختلفة والمعتقدات، فأصبحت مكسبا ينمو ويتطور مع نمو المصالح المشتركة لكل البشر . وكون الإسلام يعد فاعلا أساسيا لهذا النمو والتطور ويستمد قوته وأثره من منهج القران الكريم والسنة النبوية الشريفة، فهو يؤثر التأثير الايجابي في النمو والتطور الحضاري لكونه نظاما كاملا متكاملا له الرؤية الشاملة للحياة، كما أن الديمقراطية كنظام بُني من الليبرالية كمنهج، ويعده البعض شامل في فلسفته، كونه قدم للبشرية فلسفه خاصة به عن الحياة .

وإذا كان المفهوم التقليدي للديمقراطية تعنى حكم الشعب نفسه بنفسه، وان الحاكم يعد مسئولا أمام الشعب وان العلاقة التي تربط الحاكم بالمحكوم هي علاقة تنفيذية بحتة، على أن الشعب هو مصدر التشريع، فان منهج الإسلام لا يتناقض مع المبدأ العام للديمقراطية، حيث أن الشعب ينطلق في حكم نفسه بنفسه من حكم الله، بتنظيم من البشر وفق ثوابت شرعية تُستمد من القرآن والسنة، وللبشر وفق تلك الثوابت الشرعية حق الاجتهاد، بما يتسق ونمو الحياة، وبما يحقق للبشرية مصالحها المتطورة بتطور العصر، على أن الحاكم في إطار الإسلام يكون مسئول أمام الله ثم أمام الشعب، وان العلاقة بين الحاكم والمحكوم تعد في الإسلام علاقة تكامل في المسؤوليات، وان الجميع في النظام الديمقراطي وفي النظام الإسلامي يحكمهم عقد يضمن أداء كل طرف لمهامه المحددة في الدستور . 

وإذا كانت الديمقراطية تعنى الأخذ بالأغلبية المطلقة للفصل في المسائل الخلافية، فان الثابت أن الشريعة الإسلامية هي التي تحدد أساس الفصل في المسائل الخلافية، ويؤخذ برأي الأغلبية في المسائل الاجتهادية التي لم تؤصل بنصوص تشريعية واضحة، ووفق اجتهاد يقترب من روح النصوص الشرعية، على أن لا يُعتد برأي الأغلبية في الاجتهاد إذا تعارض مع ثوابت الشريعة ومقاصدها .

لذلك نجد أن نقاط الاتفاق بين الفكر الديمقراطية كنظام بُني على الليبرالية كمنهج؛ وبين الإسلام كمنهج حياة تعد كثيرة، وان نقاط الاختلاف بينهما يمكن أن يتم التغلب عليها إذا توفرت الرغبة في توظيف منهج الإسلام ومنهج الليبرالية كمنهج متحد لتطوير عقد اجتماعي جديد، فيتحقق للبشرية العدل والأمن والاستقرار والرخاء المنشود بشرط ربط الليبرالية بالقيم الربانية، والضوابط الدينية والأخلاقية، والتأكيد على انفتاح الفكر الإسلامي للتفاعل الفاعل مع الليبرالية لتكوين “ليبرالية إسلامية” مبنية على الحرية للفرد المنضبطة بحدود مصالح حرية الآخرين، ووفق قواعد أخلاقية لا تتعارض والمقاصد الشرعية .
الكل يُدرك أن الاجتهاد في تفسير الفكر الإسلامي قد صُبغ بالفكر المستنير لأوائل المفسرين خلال الحقبة الأولي من التاريخ الإسلامي، وان أوائل المفسرين قد اجتهدوا في التفسير منطلقين من الفهم الواعي للقرآن والسنة، وان التفسير قد صبغ بوجهة نظرٍ تفسيرية اجتهادية تشكلت وفق المكون الثقافي والوضع النفسي للمجتهد .
وبما أن الدين الإسلامي قد اكتمل والوحي قد انقطع، وان التغيير في العقيدة الإسلامية يستحيل أن يتم، إذ لايملك احد بعد قوله تعالى “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا” أن يغير العقيدة الإسلامية، إلا أن بمقدورنا أن نسقط الفكر الإسلامي على واقع متغير وظروف مختلفة، بعيداً عن التفسير التقليدي الجامد، فعظمة الإسلام في صلاحيته لكل زمان ومكان، فالإسلام مرن ومتغير ويستجيب لمتغيرات العصر ..

من هذا المنطلق يمكن أن نتناول الإسلام بروح ليبرالية تتعاضد وروح الشريعة فينتج عن ذلك “الإسلام المستنير “.
إن الفكر الليبرالي يُعد فكر متحرر قادر على الإبداع، نظراً لعدم ارتباطه بمنجز فكري ثابت، وان بمقدور هذا الفكر التعامل الحر مع الواقع المتغير، وان التغيير المستمر للواقع يستلزم التغيير المستمر للفكر، وان الليبرالية ترفض في واقعها الهيمنة والوصاية، بل وتدرك الليبرالية أنها جهد لم ولن يكتمل لا في النظرية ولا في التطبيق، وبما أن الفكر الإسلامي يمكن أن يتعامل بمرونة مع الواقع وفق ضوابط شرعية كونه فكر مرن ومتجدد ويستجيب لمتغيرات العصر كما سبق العرض، وإذا كانت النظرية الليبرالية تستجيب للواقع، وكان الواقع واقع مسلمين، كما أشار إلى ذلك الباحث مـحـمـد بن علي الـمـحـمـود، في بحثه “الإسلام الليبرالي جدلية الأصل والتأويل”، فلن تكون ليبرالية لواقع المسيحيين والعكس صحيح .
إننا أمام فكر “الإسلام المستنير” المستمد رؤاه من الفكر الجامع بين الإسلام والعصر، أمام فكر يجمع الأصالة والمعاصرة أو التراث والتجديد، وفق ضوابط شرعية، وهنا يضع السؤال نفسه، هل “الإسلام المستنير” الذي ظهر بداية التسعينيات من القرن الماضي، وتحديدا بعد انهيار الاشتراكية في عقر دارها ( الاتحاد السوفيتي ) هل يُعد هو الفكر الحاوي للثقافة المتجددة المستندة على التراث الإنساني الممتد لأكثر من 1400 سنة..؟
وهل يمكن للإسلام المستنير أن يلعب الدور المحوري للتقريب بين التيارات المتصارعة في عصرنا الحاضر، وان ينهي هذا الفكر إذا وضعت له الأسس السليمة بما يضمن له النجاح حالة الاحتقان القائمة حاليا في معظم الدول الإسلامية، وان يحد من الصراع المحتدم بين أنصار الدين وأنصار الدنيا، المتحررين والمحافظين، خاصة إذا وضع هذا الفكر كمدخل يعتمد عليه لتأكيد المفاهيم المنفتحة لبناء الدولة المدنية الحديثة، وان التجديد في الفكر الإسلامي يجب أن يكون المنطلق لبناء هذه الدولة التي ننشدها جميعاً، دولة المؤسسات والقانون على أسس من العدالة والحرية والمساواة، الهادفة إلى إصلاح منظومة القضاء، ومحاربة الفساد، ومحاربة المحسوبية والرشوة، وإصلاح التعليم، وتوفير الخدمات الصحية المناسبة وتشجيع الاستثمار لخلق فرص عمل، ومحاربة الفقر، وبما يضمن الحياة الكريمة لكل أبناء اليمن، ويحقق الأمن والاستقرار في إطار الحرية الكافلة لممارسة الشعائر الدينية كحق مشروع لكل مسلم، وبإقرار مطلق من الليبراليين بأن المجتمع اليمني مجتمع إسلامي محافظ، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف، أو التشدد أو التزمت، وبعيداً عن المذهبية والطائفية والمناطقية، وبالاعتماد على رؤية مُعززة بالإسلام كمرشد للفكر الهادف إلى وضع أسس الحياة العصرية، ووفق قواعد سلوكية اجتماعية تنطلق من روح الإسلام، والإيمان أن الإسلام دين ليبرالي، وان الليبراليين ليسوا على خلاف مع الدين، بل يمكن أن يكون الليبراليين متدينين إلى أقصى الحدود، وان يُحصر الخلاف بين الفكر الليبرالي والإسلام في حدود الحرية التي تنادي بها الليبرالية بشكل مطلق، وان يؤمن الجميع أن حدود الحرية تنتهي عندما تمُس حرية الآخرين ..

والله من وراء القصد،،

نبيل حسن الفقيه

Standard