من كتاباتي

الاوقاف والتنمية

بسم الله الرحمن الرحيم

في ظل التدهور الاقتصادي الحاد الذي يشهد اليمن اليوم ، وما آلت إليه إفرازات اقتصاد السوق كأحد مظاهر العولمة، وغياب الدولة عن اداء دورها في رعاية المحتاجين والأيتام والفقراء ، وانعكاس ذلك بشكل مباشر بالضرر على طبقة واسعة من الفقراء في المجتمع ، وتعرض الطبقة الوسطي في المجتمع لاهتزازات مالية أضعفتها بل وقضت عليها ، اذ اضحت كل الأسر تناظل للتخفيف من ارتفاع  فاتورة المعيشة ، وأصبح كفاح كل فرد في المجتمع اليمني يكابد في سبيل توفير ابسط مقومات الحياة ، مما يُلزم على المجتمع البحث في سبل التخفيف من ضنك العيش، وتفاقم الأوضاع الانسانية ، خاصة وان ، جل مكونات المجتمع اليمني أضحت غير قادرة على توفير النفقات الاساسية ، فكان الانعكاس السلبي على جل مقومات الحياة الانسانية و الاجتماعية والاقتصادية.

احتلت الاوقاف في صدر الاسلام مكان الصدارة في الاعمال الانسانية في مختلف الأمصار وعلى مر الازمان ، وساندت مؤسسات “الوقف” جهود الدولة في تحقيق التنمية الشاملة ، اذ ساعد ” الوقف” فيما مضى معظم الدول الاسلامية للقيام بواجباتها الانسانية ، ورفع ” الوقف ” مستوى روح التكافل والتعاضد فيما بين أفراد المجتمع الى اعلى مستوي ، ودعمت المبادرات الخلاقة التي كانت ترمي الى تعزيز كفاية الضعفاء والمساكين.

تبدل الحال في عصرنا الحالي ، و تضاؤل دور الاوقاف ، وتقلص إسهام الاوقاف في التنمية ، وفُقدت الثقة في القائمين على هذه المؤسسة … وهنا تبرز جملة من التساؤلات من أهمها … كيف يمكن اعادة الثقة في مؤسسة الاوقاف ، وكيف يمكن اعادة رسم دورها … وهل بإمكان الدولة القيام بتوظيف اموال الاوقاف التوظيف الأمثل بحيث تسهم الاوقاف في تحقيق التنمية المجتمعية… وهل يمكن ربط الوقف الاسلامي بالصدقة الجارية والجواب لكل ذلك … ” نعم “… و لعل المدخل في ذلك يكمن في القيام بالتفكير خارج اطار المألوف من القول ، ومن ذلك انشاء “صندوق الوقف الاستثماري” كأحد أهمّ الأساليب العصرية في مجال تنمية أموال “الوقف” ، وتوظيف أموال الاستثمار الوقفي الاستثمار الامثل لضمان استدامة الموارد …. نعم لقد أصبحت الحاجة ماسّة إلى انشاء صندوق الوقف الاستثماري، خصوصاً في ظلّ تفاقم الأوضاع الانسانية في مختلف المحافظات اليمنية ، وارتفعت الحاجة لتوفير موارد مالية تسهم في تنمية المجتمع وفي تغطية الإنفاق على المشروعات الخيرية ذات الطابع الإنساني ، و المساهمة في التنمية في مجال الرعاية الاجتماعية لتحقيق التكافل الاجتماعي ، والاسهام بشكل مباشر في التخفيف من الأمراض الاجتماعية التي نخرت في جسد الأمة نتيجة العوز والفاقة ، علاوة على ان دعم المبادرات الوقفية ذات البعد التنموي بالمفهوم الشامل سوف يعزز من مفهوم التكافل… شريطة تكامل وتظافر جهود الدولة مع جهود المجتمع لتحقيق التنمية الاقتصادية الموجهة للفرد والمجتمع معاً.
أمام تعدّد الحاجات المعاصرة بات من الضروري أن تنظر الدولة بمسؤولية عاليه في امر تكييف “الوقف” ليحاكي الواقع المعاش اليوم ، والاستفادة من الأساليب العصرية في تنمية الأموال الوقفية واستثمارها ، بحيث يسهم في سد جانب النقص والقصور في الموارد المحدودة التي يتطلبها دعم المحتاجين والأيتام والفقراء… ونجد ان الاستثمار الوقفي من خلال انشاء صندوق الوقف الاستثماري يمكن ان يسهم في امتصاص الصدمات المالية التى يمكن ان يتعرض لها المواطن ، ويساعد على الخروج من فخ الاستدانة و التقسيط ، ووسيلة مثالية لتوفير مصدر دخل رافد لدخل الأسرة و بما يساعد في سد بعضاً من الالتزامات المالية لرب الأسرة.

على ان السعي للاستثمار في مجال الأوقاف عبر صندوق الوقف الاستثماري سيفتح امام الاوقاف القدرة على استقطاب شريحة واسعة من صغار المدَّخرين ، فضلاً عن كبار البيوت التجارية ورجال الاعمال وبما يؤدي إلى وفرة مالية تسمح بتنمية تلكم الموارد المالية عبر صندوق الوقف الاستثماري ، وتوجيه عوائده إلى العديد من أوجه البرّ والإحسان، و الاستثمار لصالح الفئات المحتاجة في المجتمع ، وبما يمكن الدولة من تحقيق أهدافها التنموية .

ان الأهمية تقتضي تعزيز قدرات “مؤسسة الاوقاف” … والمضي للخروج من العمل التقليدي في ادارة أموال الاوقاف المحددة بالاراضي الموقوفة ، و أوقاف المساجد الى فضاء اوسع يتحقق فيه ما كان قائم من وقفيات تتصل بجل مناحي الحياة ، و العمل على التكيف مع متطلبات العصر من خلال الأخذ بافضل الأساليب الاستثمارية في مجال ادارة الاصول النقدية ، وفتح آفاق جديدة لتنويع مصادر دخل الاوقاف ، والانفتاح نحو فتح باب الاجتهاد للمجتهدين من العلماء و الفقهاء وحثهم على وضع التقنين الديني المتعاضد والأساليب المعاصرة المرتبطة بالوقف النقدي ، و ايجاد المخرج الفقهي الذي يمكن الاوقاف من إقناع الواقفين بالوقف النقدي ووقف الاسهم ، بالاضافة الى الوقف العقاري ، خاصة وان الواقف او المتصدق يجمعهما شيءٌ واحد وهو امر التقرب الى الله ، مع ادراك ان هناك جواز لوقف النقود بهدف الاقراض الحسن ، والاستثمار بشكل مباشر او بمشاركة عدد من الواقفين في صندوق واحد ، او عن طريق إصدار أسهم نقدية وقفية لتشجيع المشاركة الجماعية في الوقوف ، و فتح آفاق جديدة لتنويع مصادر دخل الاوقاف من خلال منح مساحة لإنفاق كبار و صغار المدخرين الراغبين في توجيه جانب من مدَّخراتهم نحو مجالات الخير العام ، مع تلافي جمود “مؤسسة الاوقاف” و مراوحتها في مكانها في أساليب ادارتها لمكونات الاوقاف ، والدفع بها للإسهام في تطوير وتنمية المجتمع ، وبما يتوافق وطموح الواقفين في دعم أوجه البر والاحسان .

كما ان إسهام المانحين في دعم المشاريع الاستثمارية ذات البعد الوقفي سيعزز من ثقة المانحين ، ويوسع من قاعدة المستفيدين من ريع المشاريع الاستثمارية ، وبالتالي استدامة الموارد المالية وتمكين شرائح المجتمع المختلفة من الاستفادة المباشرة من المشاريع الداعمة للفقراء والمحتاجين ، ومساعدتهم على تنمية قدراتهم وصولاً للاكتفاء الذاتي وبالتالي التخفيف من الاعباء على المانحين وعلى الواقفين ، وتوجيه الموارد نحو مشاريع تنموية خيرية لصالح شرائح اجتماعية محتاجة لمناطق جديده.

على ان انشاء صندوق الوقف الاستثماري سيعمل على تجميع الأموال النقدية من مختلف شرائح المجتمع من صغار وكبار المدخرين عن طريق التبرُّع ، او الاكتتاب بالأسهم ، او من خلال منح الاسهم في الشركات والمشاريع الخاصة لصالح صندوق الوقف الاستثماري …. والمضي في تنمية قدرات الصندوق من خلال الدخول في مشاريع استراتيجية بشراكة الدولة لضمان تحقيق اكبر عائد ، والتقليل من نسبة المخاطر ، مع عدم اغفال دراسة الجدوي من المشاريع الاستثمارية ، وتحديد الاولويات الاستثمارية والمحافظ التي يمكن الدخول فيها ، و الاعتماد على الصناديق الاستثمارية عالية الكفاءة والتي تتبع البنوك الاسلامية ، حيث نجحت العديد من المؤسّسات المالية الإسلامية في إدارتها، وتعظيم ربحيّة المساهمين فيها ( البنوك الإسلامية ) .

ونجد ان فتح افاق الاستثمار الوقفي بالشراكة مع المجالس المحلية التي يقع على عاتقها تقديم الخدمات المباشرة للمواطن اهمية بالغة ، فبالإضافة الى التزام المجالس المحلية (البلديات) في تقديم الخدمات الاساسية للمواطن ، فان المجالس المحلية تعاني من عدم قدرتها على توفير الموارد المالية التي تساعدها على تنفيذ برامجها وخططها الخدمية .

مع اتساع نطاق طلب الخدمات الاساسية المطلوب توفيرها للمواطن و تقاطع ذلك مع شُح الموارد المالية ، وعدم كفاية المخصصات المالية ، تقف المجالس المحلية عاجزة عن تقديم الحد الأدني مما هو مطلوب منها لسد فجوة الطلب على الخدمات الاساسية من تعليم ورعاية صحية وطرق ونظافة وخلافة ، ناهيك عن عدم قدرتها على تحسين مستوي الخدمات ، علاوة على افتقاد المجالس المحلية ( البلديات ) للقدرات البشرية المؤهل  القادرة على  ادارة الاستثمارات الاقتصادية الخدمية … من هنا يمكن السير في خلق العلاقة التنموية الاستثمارية بالشراكة الوقفية بحيث تتعاضد الجهود لانشاء الصناديق الاستثمارية التعاونية بمشاركة مؤسسة الاوقاف فتتحقق الغاية للطرفين .

على ان السير في هذا الطريق يتطلب وضع ضوابط حاكمة لسياسة الاستثمار وبشكل دقيق ، بحيث يحدد للقائمين على الاوقاف أوجُه النفقات الاستثمارية التي يمكن ان يقوم بها صندوق الوقف الاستثماري ، و تقويم ومراقبة الأداء الاداري للصندوق وفقاً للمعايير المتعارف عليها ، وتصحيح مسار العملية الاستثمارية في حال الانحراف عن ما تم التخطيط له ، لضمان تحقيق الصندوق لغاياته في تنمية قدرات الوقف المالية من ناحية ، ومن ناحية اخرى تحقيق الغاية التي تم الدخول من اجلها في الاستثمار ، وهو الإنفاق من ريع المشاريع في النفع العام ، وتحسين مستوي المعيشة للأفراد الأقل حظاً في المجتمع ، بالاضافة لتحقيق اهداف الواقف الخيرية ، مع عدم اغفال ترتيب أولويّات الصرف والإنفاق على وجوه الخير، خاصة في مجال التعليم والصحة ، وتوسيع دائرة المستفيدين ، بغرض بث الثقة لدى الواقفين من ناحية ، ومن ناحية اخرى لجذب العديد من فئات المجتمع الذين يلزمهم الحصول على مؤشّرات جاده تدفعهم للتبرع وللإسهام في صندوق الوقف الاستثماري ، ورفع مستوى الوعى باهمية الوقف ، و احياء سنة الوقف ، و طرح سندات استثمارية وقفية للمساهمة النقدية لصغار المدخرين الراغبين في الاسهام في الاعمال الخيرية ، و نشر ثقافة الوقف النقدي في أوساط المجتمع لما لذلك من اثر في التخفيف من معاناة الفقراء والمساكين ، والاسهام في تنمية المجتمع ، والعمل على حث الأفراد والشركات و المؤسّسات الإيرادية على تقديم التبرعات النقدية لصالح صندوق الوقف الاستثماري .
والله من وراء القصد ،،،،

نبيل حسن الفقيه
 5 يناير 2018م

Standard