من كتاباتي

البطالة في اليمن … الاثار والتبعات !

بسم الله الرحمن الرحيم

تعد البطالة من أشد المخاطر التي تعصف بالمجتمع اليمني خاصة وان البطالة ليست وليدة اللحظة في اليمن ، فقد تجذرت مشكلة البطالة منذ ان أخفقت خطط التنمية الاقتصادية في اداء دورها منذ مطلع 2010 م وحتى الان ، و تعد البطالة من أشد المخاطر التي تهدد استقرار المجتمع خاصة وان الارتباط الوثيق فيما بين الفقر و البطالة قد تعمق في اليمن ما بعد ظهور الجائحة الحوثية في اليمن.

مما لا شك فيه ان القطاعات الاقتصادية قد تأثرت ما بعد 2015 م وبشكل كبير بعد ان استولى الحوثيين على مقاليد السلطة في صنعاء فقد أدى وضع الا دولة في اليمن الى هجرة رجال الأعمال (رؤوس الأموال) ، و مغادرة كل الشركات الاستثمارية اليمن كما توقفت عجلة التنمية ، وتجمدت المشاريع الانمائية ، وانحسر الدخل القومي و توقف صرف مرتبات موظفي القطاع العام ، بالاضافة الى سيطرة مجموعات الفيد والمنتفعين على القطاعات الاقتصادية الهشة … كل ذلك قد أدي الى انتشار البطالة في أوساط الشباب ، بل ان البطالة قد طالت مختلف الشرائح.

على ان انتشار الأمراض الاجتماعية المرتبطة بالفقر و البطالة و الانهيار الاقتصادي والتى من اخطرها انتشار جرائم السّرقة بالاكراه ، والفساد الاخلاقي وتفشي ظاهرة الدعارة ، وتوسع ظاهرة العنوسة لكلا الجنسين بسبب الفقر وما يرتبط بها من ظاهرة الانتحار، بما في ذلك ظاهرة انتشار المخدّرات في أوساط الشباب ، وتوسع دائرة الرّشوة والمحسوبية والاستثار بالوظيفة العامة والارتزاق والتكسب الغير مشروع في كل مؤسسات الدولة ، علاوة على ذلك فان انتشار ظاهرة أطفال الشوارع نتيجة العوز الاقتصادي وعملهم في سن مبكرة ، وكذا ظاهرة تسريب الحوثيين الممنهج للأطفال من المدارس وإلحاقهم بجبهات القتال قد ضاعف من حجم المعاناة.

يدرك الجميع ان الاثر السلبي لتفشي ظاهرة البطالة سوف ينعكس سلباً على عجلة الاقتصاد الوطني بعد ان تضع الحرب أوزارها جراء هجرة العمالة المحترفة و العقول النيرة المتعلمة والتي تشكل في الحالة اليمنية المرتكز الاساسي الذي يُعول عليه لاعادة دوران عجلة التنمية ما بعد الحرب.

لقد اتسعت رقعة الفقر في اليمن كنتيجة طبيعة لحالة الحرب و انعدام الأمن في كل المناطق اليمنية فكان النزوح و التهجير الاجباري لمعظم اليمنيين القانطين في مناطق الصراع الى مناطق لا تتوفر فيها اى مقومات تساعد على ايجاد فرص عمل، اضافة الى توقف جل الشباب اليمنيين عن العمل بسبب انخراطهم في الاعمال القتالية ومن لم ينخرط في القتال مع أطراف النزاع فقد فرض على نفسه البطالة ، كما ان تدمير المنشآت الصناعية وفقدان الوظائف قد أدى الى ارتفاع معدلات البطالة ،و كنتيجة طبيعية فقد صنفت الامم المتحدة اليمن كواحدة من اكثر دول العالم فقراً حيث لا يملك معظم اليمنيين قوت يومهم ، فكان اتجاه معظم اليمنيين القادرين على الهجرة لمغادرة اليمن بسبب قلة فرص العمل وانعدام الأجور وتدني مستوي المعيشة.

نجد ان من مقتضيات الضرورة سرعة اعتماد سلسلة من الإجراءات الكفيلة بالتحكم في مسار البطالة للحد من الأضرار الناتجة عن فقدان اليمنيين لمصادر دخلهم والتخفيف من الاثار السلبية الناتجة عن البطالة وذلك من خلال التوسع في برامج التأهيل والتدريب المهني ، ووضع برامج للتدريب النوعي لتهيئة الشباب لسوق العمل ، ودعم برامج الأسر المنتجة للنهوض بالحرف اليدوية و توسيع قاعدة الطلب على السلع المنتجة ضمن دوائر الأسر المنتجة والتي يمكن من خلالها خلق فرص عمل جديده بالاعتماد على المهارة والكفاءة والخبرة ورأس المال البسيط الذي يمكن الحصول عليه من خلال برامج التمويل الأصغر.

ان الأهمية تقتضي وضع برامج تأهيل عالية الكفاءة تستهدف القطاع الزراعي وتشجيع انتاج المحاصيل الاستراتيجية اللازمة للعيش اليومي كإنتاج القمح و تحفيز صغار المزارعين لانتاج المحاصيل القابلة للتصدير وبما يضمن حصول المزارع على اكبر عائد ممكن ، ووفق مواصفات ومعايير عالية الجودة ، بالاضافة الى تشجيع انشاء الشركات الوسيطة الصغيرة والمتوسطة لتسويق المنتجات الزراعية وفتح الاسواق الخارجية للمنتجات اليمنية ، حيث سيضمن ذلك خلق فرص عمل جديدة مما يؤدي الى التخفيف من البطالة على المدى الطويل ، مع عدم اغفال دعم القطاع السمكي الذي يمكن ان يحقق قفزة نوعية لخلق فرص عمل في مجال الصيد و الاستزراع السمكي وربط قاعدة الصناعة السمكية بصغار المنتجين ، ووضع برامج الدعم والإسناد للمشاريع الصغيرة من قبل المانحين ، وبما يؤدي الى تامين فرص العمل لأكبر عدد من العاطلين عن العمل و من الفقراء.

كما ان المسؤولية الاجتماعية تحتم على المجالس المحلية القيام بدورها في دعم الشباب للحصول على فرص العمل الغير دائمة حيث ان هذه الاعمال ستمكن الشباب من إعالة أنفسهم و التخفيف من حدة فقر اسرهم وان بشكلٍ موقت ، وكذا مساعدتهم على تنمية قدراتهم تمهيداً لدخولهم سوق العمل ككوادر مؤهله ، وبالتالي فان على المجالس المحلية العمل على إطلاق مشاريع ترميم ورص الشوارع في مختلف المدن الرئيسية والفرعية بالحجارة بدل عن التعبيد بمادة الاسفلت ، وكما هو معمول به في معظم دول العالم ، لتميز هذه الطريقة بكثافة العمالة اليدوية ، مع وضع برامج لاعادة الحياة لقاعدة الخدمات التعليمية و للمرافق الصحية الامر الذي سيودي الي خلق فرص عمل للكثير من العاطلين،بما في ذلك توسيع قاعدة الاستثمار في التّعليم والتّدريب النوعي.

تلكم هي الإجراءات التي يمكن الشروع فيها على المدى القصير والمتوسط ، الا ان الإجراءات التى يمكن اعتمادها على المدى الطويل يجب ان تتم من خلال تهيئة البيئة الاستثمارية الجاذبة المولدة لفرص العمل الدائمة والتي أيضاً ترتبط بالانتاج المتنوع والذي يؤمّن ادخال وظائف لمختلف شرائح المجتمع ، كما ان الضرورة تقتضي اعتماد استراتيجية للنمو والعماله لجذب كبريات الشركات بهدف توطين الصناعة ذات العمالة اليدوية و توسيع قاعدة الطلب على انتاج الخدمات الوسيطة ، على ان تحقيق ذلك والشروع في تنفيذه لا يمكن ان يتم الا بعد ان يسود الأمن والاستقرار سائر المناطق اليمنية وستقرر الأوضاع السياسية في اليمن ، خاصة وان حالة الضعف والوهن الذي نجده في الحكومة اليوم سيحد من الطموح في اعتماد الاستراتيجية طويلة المدى ، مما يضع المجتمع الدولي امام مسؤولية للتخفيف من المعاناة الانسانية والسعى لإقفال ملف الحرب في اليمن ، ودفع اليمنيين للجلوس على طاولة المفاوضات بروح المسؤولية.

والله من وراء القصد ،،،

نبيل حسن الفقيه

26 مايو 2018م

Standard

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *