من كتاباتي

التجريف الطائفي للدولة ومؤسساتها

بسم الله الرحمن الرحيم

كيف يمكن ان ينظر لعملية اصلاح الخلل في قطاع الخدمة المدنية بعد ان بسطت جماعة الحوثي الانقلابية نفوذها وسيطرتها على كافة مفاصل الدولة؟
وكيف يمكن معالجة الكارثة التي حلت بجهاز الخدمة المدنية جراء عملية الاحلال التي تمت لألاف الموظفين؟
وهل يمكن ان تتم تسوية سياسية يتم معها دمج المجاميع المسلحة ضمن قوام الخدمة العامة؟

جملة من الأسئلة يجب الوقوف امامها ووضع النقاط على الحروف في ملف يعد من اهم وأخطر الملفات التي تنذر بانهيار أي تسوية سياسية قد تتم لإحلال السلام في اليمن.

عمدت المليشيات الحوثية على تجريف كل مؤسسات الدولة ودمرت الهياكل العامة للمؤسسات، من خلال إصدار قرارات التعيين المخالفة للقانون في جميع مرافق الدولة المدنية والعسكرية والأمنية، واحلال عناصرها في مختلف المناصب والوظائف الحكومية، ناهيك عن تعيين المشرفين الحوثيين في مختلف المؤسسات الحكومية والمحافظات، لتتحكم تلكم العناصر بكامل مفاصل المؤسسات.
على ان فرض جيش من الموظفين داخل المؤسسات عبر ما يوصف بسياسة “الإحلال” القائمة على استبدال موظفي الدولة بآخرين من المحسوبين على الجماعة والعمل على استقطاب من لا يدينون بالولاء لهم مستغلين العوز الاقتصادي الذي يعاني منه الموظفين قد صاحبته عملية تسريح وفصل منظمة تمت لكل من لا يدين بالولاء الطائفي للمليشيات، علاوة على تغييب اللوائح والأنظمة والقوانين واغراق مختلف أجهزة الدولة بالمحسوبين على جماعة الحوثي، سواء في المؤسسة المدنية أو العسكرية، بالإضافة الى استحداث قطاعات وإدارات في جُل هيكل الوزارات وإجراء التعيينات في القطاعات والادارات المنشأة والغاء بعض الإدارات القائمة بالمخالفة للقوانين واللوائح النافذ.

لقد شرعت الجماعة الحوثية الى اقصاء الكوادر القيادية والوسطي غير الموالين لها من كل مؤسسات الدولة الواقعة تحت سيطرتها، عقب استيلائها على السلطة، وسعى الحوثيين لتدمير الجهاز الإداري للدولة الذي يعاني في الأساس من اختلالات ما قبل 21 من سبتمبر 2014 ، وعمدوا إلى تغيير واقع المشهد الإداري من خلال عملية التجريف الطائفي للدولة ومؤسساتها، والتلاعب والعبث بقاعدة البيانات و استغلال البصمة البيولوجية الذي توقف العمل به منذ استيلاء الحوثيين على السلطة وتفجير الحرب، فكان ان تم تنزيل أكثر من 40 الف موظف من موظفي الخدمة المدنية الرسميين واستبدالهم بالمواليين للمليشيات، مما ولد حالة من الحنق المجتمعي على المليشيات، خاصة وان هذا التجريف قد صاحبه عملية اقصاء وترهيب وتشريد وقتل واعتقال.

يسود اعتقاد خاطئ لدى الحوثيين من ان استمرارهم في المشهد السياسي يحكمه تحكمهم بمختلف أجهزة الدولة، وان زرع عناصرهم في مختلف مفاصل مؤسسات الدولة يعد الضامن لبقائهم أكبر فترة ممكنة في الحكم ويضمن لهم مكانة في دوائر السلطة في حال تم التوصل في وقت لاحق إلى تسوية وحلٍّ سياسي، ولعمري ان هذا الوهم لن يكون تنفيذه ممكن او متاح خاصة وان عملية استبدال موظفي الدولة بآخرين من المحسوبين على جماعة الحوثي قد تم وفق أُفق طائفي ضيق لا يستند الى أية مرجعية قانونية ولا يمكن التسليم به، فقد مثل اختراق وتجريف مؤسسات الدولة كارثة إدارية لن يكون التعافي منها بالأمر الهين فمعضم من يتم تعيينهم يفتقدوا للمؤهلات العلمية والي الخبرة العملية التي تؤهلهم لإدارة مؤسسات الدولة بشقيها المدني والعسكري.

وللتاريخ أجد ان من الواجب علينا كذلك ان لا نغفل ما صاحب عملية استعادة الشرعية من اختلالات في التعيين والتجاوزات التي تمت هنا وهناك، وان نقف امام هذا الملف بكل جدية وان نضع ملامح لمعالجة الاختلال الذي تم في الجهاز الإداري للدولة، حيث سَيُشرع في حصر كل قرارات التعيين في وحدات الخدمة العامة المركزية والمحلية الصادرة خلال الفترة 2014-2019م، ومراجعة التعيينات في ضوء شروط شغل الوظائف العامة المنصوص عليها في تشريعات الخدمة المدنية، وتبيان مدى توافقها مع بيانات المعينين ووضع التوصيات الكفيلة بتصحيح الاختلالات.

ولعل من الأهمية ان نشير هنا الى ان أحد التحديات في هذا الملف تتمثل في الكيفية التي يمكن معها التعامل مع العبث الحوثي بقطاع الخدمة المدنية ووضع المعالجات الكفيلة بإعادة ترتيب قطاع الخدمة المدنية، لأداء مهامه الأساسية في إدارة مرافق الدولة المدنية والعسكرية، والتعامل مع قضايا التوظيف وفقا لتشريعات الخدمة المدنية بعيداً عن أي تجاذبات سياسية، مع الالتزام بالهيكل الوظيفي المعتمد لمختلف قطاعات الخدمة المدنية، وتطبيق الدستور والقانون على من تم إضافتهم من الموظفين المدنيين من خارج سلطة الدولة الشرعية، وإيجاد دعم سياسي متواصل للحد من تضارب السياسات ذات الصلة بالوظيفة العامة وفقاً لمخرجات الحوار الوطني، و سرعة وضع استراتيجية دقيقة وواضحة لتأهيل وإعادة إدماج المجاميع المسلحة بدلا من إضافة عشرات الالف منهم الى قوائم مرتبات القطاع العام ( اذ سيوضع هذا الامر ان عاجلاً او اجلاً عند وضع الحل السياسي)، حيث ان تحميل أي معالجات تتصل بالوظيفة العامة ستؤدي إلى مضاعفة التضخم في الكلفة الإجمالية للأجور، والذي من المتوقع ان تتجاوز مخصصاته الـ 80٪ من الناتج الإجمالي المحلي.

يجب ان نعترف اننا امام تحدي كبير وكارثه لا يمكن ان تتجاوزها اليمن بالسهولة التي يتوقعها البعض، خاصة وان حجم وتكاليف تضخم القطاع العام ما بعد الحرب سيكون كبير وكبير جداً، وان عدم الجدية في وضع ملامح الحل من الان سيعيق أي تسوية سياسية، وبالتالي أجد ان دق ناقوس الخطر من اوجب الواجبات، بحيث يوضع هذا الملف امام صُناع القرار بالشكل الذي يجعل منه أحد اهم الملفات لما له من اثر في الاستقرار المؤسسي من ناحية، ومن ناحية اخرى لما له من اثر في التخفيف من الأعباء المالية على موارد الدولة على المدى الطويل.

والله ولي التوفيق …
نبيل حسن الفقيه
27 مايو 2019م

Standard

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *