من كتاباتي

الحامل السياسي الانتقالي،، ضرورة لابد منها

بسم الله الرحمن الرحيم

لكل حضارة من الحضارات البشرية طابع متميز ، واليمن بما قدمته للحضارة الانسانية قديماً تميزت بسمات لا يمكن إغفاله … فقد تميزت الحضارة اليمنية القديمة بوجود دولة مركزية مكنتها من إيجاد الكيان اليمني أرضاً وانسان ، حيث مثل تاريخ وحضارة دولة سبأ عمود للتاريخ اليمني وتبين الشواهد التاريخية مدى إسهام اليمن في الحضارة الانسانية ، اذ امتدت الحضارة اليمنية منذ عام 115 قبل الميلاد وحتى فجر الاسلام عام 613 ميلادية ، و شهدت اليمن خلال تلكم الحقب التاريخية سلسلة من التغيرات التى جعلت من إسهام اليمن في الحضارة الانسانية إسهام بارز لا يمكن إغفاله ، مما جعل اليمن محل استحقاق عالي فذُكرت في كتاب الله في اكثر من موضع ، وهذا يدلل على المكانة العالية التى وصلت اليها اليمن … كما تؤكد المصادر التاريخية ان اليمن قد قدم منذ القدم أنموذج في جل نواحي الحياة الثقافية والعسكرية والإدارية على مستوى العالم.

و استمر ازدهار اليمن بعد دخول اليمنيين الاسلام لتظل اليمن في كنف الدولة الإسلامية المركزية حتى بدايات القرن الثالث الهجري حين بدأت ملامح الضعف والشيخوخة تظهر على الدولة العباسية ، فكان ذلك إيذاناً بتفرد اليمن بحكمه الذاتي من خلال الدولة الزيادية والدولة اليعفرية مطلع عام 815 … لتتعاقب الدويلات اليمنية المختلفة على حكم اليمن.

وخلال تلك المراحل و الحقب الزمنية اصيبت الحضارة اليمنية بالضمور ، اذ تغلغل في ثنايا حكامها الوهن والضعف منذ نهاية الدولة الطاهرية و حتى بداية العهد العثماني والذي شهدت فيه اليمن بروز الأئمة الزيدية بشكل كبير، حيث تميزت تلك الفترة بالانكفاء على الذات ، وبالصراع المستمر على السلطة ، ولم تنعم اليمن بالاستقرار ولا بروح الطمأنينة وتقزمت اليمن وتقوقعت وحل الجهل والفقر والظلم … مما قلل من الاسهام الحضاري لليمن فكانت الثورة اليمنية عام 1962 هي بداية الامل لليمن واليمنيين .

قامت الثورة اليمنية لتحقيق اهداف واضحة اختزلتها الاهداف السامية الستة ، ليسعى كل من تولى السطلة في اليمن لتحقيقها … فكان النجاح هنا والإخفاق هناك ، والتقدم في طريق والتأخر في اخر ، ومرد حالة الشد والجذب في عدم تحقيق تطلعات اليمنيين خلال العقود الماضية الي حالة الصراع السياسي الفوضوي الذي تطور الى صراع دموي راح ضحيته خيرة أبناء اليمن ، واستمر اليمن في تقديم القرابين لخلق الدولة اليمنية بمفهومها الحديث ، الا ان الإرادة السياسية كانت تتقاطع مع المصالح الشخصية ، و لم يتمكن من تعاقبوا على الحكم من فك الاشتباك بين تطلعاتهم الشخصية وتطلعات الأمة التواقة للدولة اليمنية الحديثة ، دولة النظام والقانون والعدالة والمساواة .

عجز كل قادة اليمن منذ 1962 من الانبعاث بفكر مجدد يحمل الهوية الوطنية ، فظلت التجاذبات السياسية والصراع على السلطة بين الفرقاء السياسيين هي المسيطرة حتى مطلع ثمانيات القرن الماضي والذي شهد معه اليمن نوعاً من الاستقرار انعكس إيجابياً على جل مقومات الحياة في اليمن ، وشُرع في تحقيق بعضاً من تطلعات اليمنيين وكان من الواضح ان اليمن قد بدا في وضع نفسه على سكة الانطلاق نحو الامام ، خاصة مع قيام دولة الوحدة عام 1990 و التى رسمت ملامح الامل.

الا ان ذلك الامل ما لبث ان تلاشى مع بروز الصراع غير الخفي على السلطة … صراع النخب السياسية الانتهازية ليتحول ذلك الصراع بصورة دراماتيكية من صراع سياسي الي صراع عسكري متفجر عام 1994م … حيث شهدت اليمن ما بعد حرب 94 بداية الانكسار السياسي في اليمن ، لتتوالى الإخفاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، ويزداد الحنق السياسي بين الفرقاء ، ويستمر وميض الجمر من تحت الرماد ليشتعل اللهب في 2011م فتُحرق اليمن بايدي ابناءها اليمنيين وتخرج العملية السياسية من مسارها الطبيعي ، الي ان تبرز المبادرة الخليجية … فيظن اليمنيون ان بها المخرج مما آلت اليه الأوضاع… والواقع ان المبادرة الخليجية كانت هي الركيزة التي أسست للصراع في اليمن حيث ظهر للعلن استبداد سياسي استغل من كل أطراف النزاع ، خاصة من كانوا على راس هرم حزب الاصلاح او من كانوا على راس هرم حزب الموتمر الشعبي العام ، فاستغل الحوثيين ذلك للمرور الي المشهد السياسي بنوع من التماهي من طرفي النزاع وبرغبة جامحة في إعطاء دور سياسي مؤثر لهم من قبل الرئيس هادي الذي وصم بالضعف والهوان وعدم القدرة على احكام قبضته على مفاصل الدولة … فكانت الكارثة .

الكارثة التى غيب معها العقد الاجتماعي و عطلت القوانين الناظمة لحياة اليمنيين ، و انسد الأفق الفكري والمعرفي، فتوقفت عملية التعليم ، و شُرع في تجهيل السواد الأعظم من الناس ، وانتشر الفساد الاداري المنظم تحت غطاء الشرعية الثورية واضمحلت كل مقومات الدولة ، وانهار الاقتصاد ، وتوسعت رقعة الفقر ، لتتفاقم الأوضاع الانسانية وتنتشر الأمراض والاوبئة ، وتبلغ حالة الاحتقان والحقد والغل والكراهية في أوساط اليمنيين مبلغها فكانت النتيجة تفكك النسيج الاجتماعي.

ان الاستنباط الواقعي والمنطقي لمعطيات الوضع الحالي على الساحة اليمنية والإفرازات التى تلت احداث 2011م ، والانتكاسات المتوالية التى حدثت للدولة اليمنية قد ولد الشعور لدي اليمنيين بمختلف توجهاتهم الي ان الدولة اليمنية بمفهومها الواسع تعيش أيام احتضارها الاخيرة ، ولم يبق من مكونات الدولة غير أسمها وبعض من سطور دستورها المعطل … ويتعاظم هذا الشعور عندما ندرك ان هناك آلاف من الموظفين ذوى الكفاءة والخبرة الادارية ومن مختلف التيارات السياسية قابعين بعيداً عن دوائر العمل يلوكون الذكريات ، ويأسفون على الواقع المرير الذي وصلت اليه اليمن ما بعد احداث 2015م .

لكل ذلك نجد انه لا مناص لنا كيمنيين من الاعتراف بفشلنا خلال العقود الماضية في ايجاد الدولة الضامنة للحقوق والحريات والعدالة والمساواة ، وان علينا الاستفاقة من وهم الماضي والشروع في البحث عن مسار جديد ينهي حالة الصراع الدائم على السلطة من خلال التفكير الواعي باهمية ايجاد شراكة سياسية وفق نموذج ديمقراطي خاص يتوافق والحالة اليمنية ، بمنهج فكري واضح ، وبثوابت استراتيجية ملزمة لكل الفرقاء السياسيين وفق ضوابط تضمن حرية الانسان ولا تمس معتقداته وتضمن كذلك حريته في مذهبه …نموذج يؤسس لصون الحقوق ، ويؤطر للواجبات ، ليرفع من قدر المواطن اليمني ، ويحافظ على كرامته … نموذج يفتح الباب امام حرية التعبير والقبول بالراي والراي الاخر ، وتؤسس للقبول بالاخر بعلاته دونما قيود … نموذج ضامن لاستقلال القضاء لضمان سيادة القانون لتحقيق العدل للجميع … نموذج يجعل من الممكن تجاوز مراحل الانحطاط والتخلف ليؤسس لمراحل الصعود للأعلى من خلال تحريك التنمية الاقتصادية، مع اهمية الحفاظ على القيمة الأساسية للديمقراطية المتمثّلة في تنظيم الاختلاف عبر ثنائيّة الأغلبيّة الحاكمة والأقليّة المعارضة ، بشرعيّة برلمانية تسن التشريعات والقوانين وتراقب وتحاسب الكبير قبل الصغير.

ونجد ان الأهمية تقتضي العمل على خلق حامل سياسي يمني قادر على استيعاب الفرقاء السياسيين بمختلف توجهاتهم السياسية والثقافية والاجتماعية والمذهبية، حامل سياسي يقبل بالشراكة والمشاركة السياسية مع التيارات السياسية غير المؤدلجة ويقبل بالتيارات السياسية المؤدلجة ذات التوجهات الدينية ( الاصلاح /السلفيين / الحوثيين ) … ” حامل سياسي انتقالي ” يستوعب جميع الفرقاء دونما تعصب فئوي او مذهبي او مناطقي فيعمل بالشراكة مع الجميع لمرحلة ما بعد الحرب دونما استثناء و بتجرد يجعل من الكل شركاء في المرحلة الانتقالية وفق برنامج واضح المعالم، حامل يتحمل المسؤلية التاريخية والأخلاقية تجاه الوطن والمواطن ،و لديه القدرة على تقديم نفسه كشريك محلي و إقليمي ودولي لمحاربة الارهاب ، ولديه القدرة على التاسيس لعلاقات متوازنة مع دول الجوار دونما افراط او تفريط في السيادة الوطنية .

وهنا يبرز السؤال … كيف يمكن ايجاد ” الحامل السياسي” القادر على ان يضطلع بدوره في إنقاذ اليمن ؟؟
والجواب … هو ان حزب ” المؤتمر الشعبي العام ” يمكن ان يكون هو ” الحامل السياسي الانتقالي” شريطة قيام قيادة المؤتمر الشعبي العام بما هو واجب عليها تجاه الحزب في المقام الاول والمتمثل في إعادة ترتيب أوضاعه الداخلية وفق الأسس والانظمة المعتمدة لديه ، وان يؤمن المؤتمر ان الشراكة والمشاركة في المرحلة الانتقالية هى المدخل لاستقرار اليمن وان عليهم تطبيق النهج الديمقراطي في التداول السلمي للسلطة ” مابعد المرحلة الانتقالية ” كمنهج مفضي إلى الاستقرار والأمن والأمان في اليمن، وأن الحياة الديمقراطية ليست مجرد صناديق انتخابية يمكن حشد المواطنين لها ، على ان يوفر المؤتمر الحد المقبول من الإرادة السياسية لمحاربة الظواهر السلبية التي تؤثر في السلم الاجتماعي والتى تحد من بناء الدولة المدنية الحديثة، كظاهرة الثأر والمناطقية، والعصبية، والطائفية، والمذهبية ، والتطرف، والإرهاب، بعيداً عن الانتهازية والتخوين، وأن يسعى مع كل القوى السياسية ما بعد المرحلة الانتقالية إلى تبني سن القوانين والتشريعات الكفيلة بمواجهة الإرث الضخم الناتج عن سوء استخدام واستغلال السلطة، ونهب ثروات الوطن ، و بما يحقق العدالة للجميع ، وان يؤمن أبناء المؤتمر الشعبي العام أن كل أبناء الوطن شركاء في بناء هذا الوطن بتحدياته المختلفة، فالوطن بحاجة إلى كل أبناءه لوضع الأسس الحقيقية لبناء الدولة المدنية الحديثة دولة المؤسسات والقانون .

والله من وراء القصد،،

نبيل حسن الفقيه
٧ / ٧ / ٢٠١٧م

Standard