من كتاباتي

الحقيقة المؤلمة

­

كيف يُنظر إلى المبادرات الإصلاحية التي قدمت من قبل فخامة الأخ الرئيس في الأيام الأولى للأزمة التي ظلت ولازالت تعصف بالوطن،  وخاصة تلك المبادرة المتصلة بتحسين الأوضاع المعيشية لأفراد المجتمع والتي تمثلت في إطلاق المرحلة الثالثة من الإستراتيجية العامة للأجور والمرتبات،  وصرف العلاوات التراكمية المستحقة لموظفي الجهاز الإداري للدولة للفترة من 2005 وحتى 2010م،  بالإضافة إلي زيادة عدد المستفيدين من الضمان الاجتماعي إلى 500 ألف حالة جديدة،  واعتماد توظيف 60000 موظف جديد في الجهاز الحكومي؟  وهل ستحقق تلك الإصلاحات الغاية التي وجدت من أجلها؟  وما هو الأثر الاقتصادي الذي سيترتب على ذلك في ظل محدودية الموارد والعجز الدائم في المالية العامة للدولة؟

أسئلة تبحث عن إجابة متعمقة خاصة إذا علمنا أن السياسة المالية التي اتخذتها الحكومة سياسة تعتمد على التقشف وتقليص العديد من النفقات العامة بهدف احتواء العجز المالي الدائم،  نظراً لمحدودية الموارد المالية للدولة،  إذ أن من المؤكد أن الإنفاق الحتمي لمثل تلك الإصلاحات ستؤدى إلى تعميق الاختلال القائم في الموازنة العامة للدولة على اعتبار أن الإنفاق على جملة الإصلاحات المذكورة تُعَدّ نفقات جارية من النفقات الاستثمارية لتغطية العجز وهذا سيؤثر بشكل مباشر على النمو الاقتصادي العام،  وينعكس سلباً بحيث يرتفع صافي العجز النقدي إلى أكثر من 540 مليار ريال.

وهنا نضع السؤال المهم:  كيف، ومن أين سيتم تمويل هذا العجز في ظل الخيارات المحدودة  وفي ظل استمرار تداعيات الأزمة السياسية والانعكاسات السلبية على مجمل الأنشطة الاقتصادية،  ومحدودية مصادر التمويل غير التضخمية وعدم الاستقرار المالي وتوقف عجلة الاستثمار ؟

وأمام كل ذلك فالخيارات أصبحت محدودة ونتائجها غير مرضية على المدى القصير والطويل،  فإما اللجوء إلي الاقتراض المحلي عبر أذون الخزانة, وهذا الخيار غير متاح حالياً نظر للأوضاع السياسية وعدم الاستقرار الذي يؤدى عادة الي تخوف المدخرين أمام الدولار والذهب،  أو عبر الصكوك الإسلامية التي كان البنك المركزي قد أطلقها مؤخراً،  وكان بمقدور الصكوك الإسلامية أن توفر التمويل للدولة،  وبما يساعد على تقليل الآثار التضخمية للاستدانة وذلك عبر توفير تمويل مستقر وحقيقي باستقطاب موارد موجودة أصلاً داخل الدورة الاقتصادية دون أن يكون لها آثار تضخمية،  إلا إن هذه الآلية لن تتم في ظل الهلع الكامن في النفوس جراء الأحداث التي تدور في اليمن حالياً،  علاوة على أن الأثر السلبي من الاقتراض المحلى سيفاقم المشكلة لما ينتج عنه من تأثير سلبي على معدل التشغيل والنمو الاقتصادي،  أما الخيار الثاني فهو اللجوء إلى التمويل بالعجز وطبع النقود،  وهذا بدوره سيعمل على تدمير الاقتصاد اليمني الهش وسيرفع من التضخم بشكل لا يمكن معه السيطرة على الاقتصاد .

لذا فإن الوضع يوذن بكارثة ستحل لا محالة إذا ما استمر الوضع السياسي يتحكم بالوضع الاقتصادي؛  فإذا كانت الإصلاحات التي أطلقها الأخ الرئيس تستهدف في مجملها تحسين معيشة المواطن اليمني؛  فإنها وفق واقع الحال سوف تؤدى إلى تدهور معيشة المواطن،  حيث سيؤدي الارتفاع في عجز الموازنة العامة إلي الزيادة في المعروض النقدي في مقابل الانخفاض المباشر في القيمة الشرائية للريال،  وهو بدوره سيؤدي إلى الارتفاع الشديد في المستوى العام للأسعار،  وارتفاع معدل التضخم في الاقتصاد الوطني،  وبالتالي الى تدهور مؤكد في ميزان المدفوعات،  وانخفاض حاد للاحتياطي الخارجي الذي يتآكل يوماً بعد يوم،  وينعكس كل ذلك سلباً على الأوضاع الداخلية وعلى الاستقرار والسلم الاجتماعي،  خاصة وأن الأزمة في مجملها أزمة اقتصادية .

قد يتبادر إلي الذهن إن الاهمية تستدعي منا سرعة تنمية الموارد الذاتية،  وتشجيع الاستثمار، وزيادة الاستكشافات النفطية،  وإعادة هيكلة الإنفاق العام،  وتطبيق قانون الضريبة العامة،  وتحسين آلية تحصيل الموارد العامة للدولة،  وغيرها من الحلول والإجراءات،  وهنا يجب أن نكون أكثر صدقاً مع النفس ونضع السؤال المباشر: هل يدرك الجميع هذه الحقيقية المؤلمة حتى يمكن الشروع في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية بروح المصلحة المشتركة؟  وهل يعي الجميع أن الإصلاحات الاقتصادية يجب أن تتعاضد مع الإصلاحات المؤسسية ومع الاستقرار الداخلي؟  وهل يدرك الفرقاء السياسيين إن هدم المعبد بهذه الصورة الضبابية سيعجل بالكارثة،  إذ انه في ظل الظروف السياسية والأمنية غير المستقرة والتعنت والعناد الذي يبديه الفرقاء السياسيون والنظرة الأحادية للحل، وعدم الانصياع لصوت العقل والمنطق في طرح الحلول للمشكلة السياسية:  سيضاعف من ألام الناس جراء التدهور الاقتصادي،  ولن يكون بمقدور أحد أن يعالج الأوضاع الاقتصادية المتفاقمة مهما كانت القدرات التي يمتلكها.

على ذلك نجد أن التغيير نحو الأفضل يجب أن يتم وفق رؤية مشتركة يتفق بشأنها بحيث يتم التفريق بين محددات التغيير المنشود وفق التوافق السياسي،  والتغيير الإصلاحي الممنهج الذي يتم وفق برامج وخطط مزمنة يتفق علي تنفيذها بعيداً عن التجاذبات السياسية،  وان لا تتوقف الإصلاحات مهما كانت الاختلافات السياسية،  وبغض النظر عمن سيحكم هذا البلد،  فالمهم هو إيجاد استقرار اقتصادي يضمن المعيشة الكريمة للمواطن اليمني .

والله ولى التوفيق،،،،

نبيل حسن الفقيه
17 مارس 2011م

 

Standard