يونيو 19, 2021

بسم الله الرحمن الرحيم

الكل تابع ويتابع كل تفاصيل انهيار مقومات الدولة واضمحلال البنية الاقتصادية الهشة منذ انقلاب الحوثيين على السلطة وفرض سيطرتهم على وحدات الجهاز الإداري وسيطرتهم على جميع الموارد المالية الأساسية التي كانت تدعم ميزان المدفوعات في اليمن، وتفاقم الأوضاع الاقتصادية بعد أزمة توقف المرتبات عندما أصدر الرئيس عبدربه منصور هادي في مايو 2016 قرارا جمهوريا قضى بنقل مقر البنك المركزي اليمني من صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى عدن العاصمة المؤقتة للبلاد.

بلغ اجمالي الوظائف المعتمدة لوحدات الخدمة العامة في موازنة 2014م (1.253.083 موظف) منهم (477.653) موظفي الجهاز المدني، و (652.752) موظفي الجهاز العسكري والأمني توزع على وحدات القطاع الاقتصادي (91.371) موظف، في حين تم رصد (17.347) موظف على الوحدات المستقلة والملحقة والصناديق الخاصة و(13.960) موظف على وحدات غير مبوبة، ووصل اجمالي النفقات المقدرة في موازنة عام 2019م للمرتبات والأجور لموظفي الجهاز المدني والعسكري (الباب الأول) بلغت 1.223.525.000 ريال توزعت على الجهازين المدني والعسكري بنسبة 56.79 % للجهاز المدني وبنسبة 43.21 % للجهاز العسكري والأمني، في حين بلغ عدد المتقاعدين في الهيئة العامة للتأمينات والمعاشات 123.248 متقاعد يقطن 68.55 ٪ منهم في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، في حين يقطن 31.45٪ في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتبلغ التكلفة الشهرية لمعاشاتهم (6.664.967) ريال يمني تقريباً.

بذلت الأمم المتحدة وبعض منظمات المجتمع المدني جهودا لحل هذه المشكلة، وتجاوبت الحكومة الشرعية مع تلك الجهود فكان ان تم التدرج الخجول في صرف رواتب العاملين في سلك القضاء والنيابات والعاملين في القطاع الصحي والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، وجزء من موظفي التعليم العالي، بالإضافة للموظفين العاملين في المناطق التي تخضع لمناطق الشرعية وبلغت نسبة من كان يتم دفع مرتباتهم حتي مارس 2019م ما نسبته (53٪) من اجمالي قوام جميع الموظفين في الجمهورية اليمنية، وكذا صرف معاشات جميع المتقاعدين المدنيين، وكان الامل يحدو الجميع الي ان تتوسع دائرة الصرف وصولاً لتغطية كامل المرتبات مع نهاية عام 2019م، الا ان ما حدث تالياً قد أوقف دوران العجلة، خاصة بعد ان منع الحوثيين تداولَ الطبعة الجديدة من العملة في المناطق الواقعة تحت سيطرتهم، وقيامهم بالاستيلاء على ما تم جمعه من أموال في فرع البنك المركزي بالحديدة وفق ” اتفاق ستوكهولم” فكان ان تعثر الصرف وتوقفت العجلة عن الدوران.

من هنا نجد ان امر استئناف صرف مرتبات القطاع المدني لعموم موظفي الجمهورية سيراوح مكانه مالم تقتنع جميع الأطراف بأهمية وضع الملف الاقتصادي ضمن أولويات الحل الشامل في اليمن، ومع معالجة القضايا الاقتصادية سيتم معالجة ملف مرتبات موظفي الخدمة المدنية في عموم اليمن.

وحتى يتم الوصول لتسوية سياسية شاملة ويتفق الفرقاء السياسيين على معالجة مختلف ملفات الازمة السياسية ويقتنع الحوثيين ان استمرار انقلابهم على السلطة لن يدوم وان عليهم الانصياع للدستور والقانون فان ملف مرتبات موظفي الخدمة المدنية سيراوح في مكانه وستستمر معاناة الموظفين الى ما شاء الله، الا ان الأهمية تقتضي وضع مؤشرات يمكن البناء عليها لمعالجة ملف من اعقد الملفات التي يجب ان تقف عليها أي حكومة في اليمن.

لقد شهد قطاع الخدمة المدنية تجاهل كامل للقانون عند التعيين في المناصب القيادية مع غياب الشفافية، والتعيين في مناصب قيادية خارج اطار الهيكل العام للدولة، مع غياب دور وزارة الخدمة المدنية في خطط وبرامج الإصلاح التنموي والإداري في مراحل الاستقرار النسبي للدولة ما بين 2007-2010م، اما بعد هذا التاريخ فقد تم تجريف الوظيفة العامة واصبح السائد هو التعيين العشوائي في كل مرافق الدولة.

مثل غياب قاعدة البيانات والمعلومات الموثوقة الخاصة بالموظف والوظيفة العامة معضله لا يمكن تجاهلها
حيث تتباين بيانات وزارة الخدمة المدنية مع بيانات الوزارات والدوائر الحكومية خاصة بيانات وزارتي الداخلية والدفاع، وهذا أدى الى انعكاسات سلبية لصالح استمرار إشكالية الازدواج الوظيفي والاسماء الوهمية، إضافة الى ضعف قدرات وحدات الموارد البشرية في الوحدات الإدارية، وغياب منظومة تقييم الأداء المؤسسي، كل ذلك ادى الي عجز وزارة الخدمة المدنية عن أداء دورها المؤمل.

أدى اهمال اصلاح قطاع الخدمة المدنية الى تضاؤل دور وزارة الخدمة المدنية خاصة بعد الانقسام الحاد في كل مؤسسات الدولة بعد استيلاء الحوثيين على السلطة، و عجز الحكومة عن دفع مرتبات موظفي الدولة، نتيجة ضعف سيطرة الحكومة الشرعية على المؤسسات الايرادية خاصة موردي الضرائب والجمارك في معظم المحافظات ، وضعف الأداء في ضبط الإيرادات التي يمكن ان توظف لصالح صرف المرتبات، وهذا أدى بدوره الى ترهل القطاع العام والى غياب دوره في تقديم الخدمات والاسهام في التنمية، والى ارتفاع معدل البطالة، وضعف عام في توفير فرص العمل في القطاعين العام والخاص.

ان تعزيز دور الأجهزة الرقابية في مكافحة الفساد يعد المدخل لإعادة الثقة في الجهاز الإداري للدولة، وذلك من خلال ترسيخ النزاهة والشفافية في إجراءات التعيين والترقي، والاستفادة من الخبرات المتوفرة داخل مؤسسات الدولة، و تطبيق قانون الإحالة للتقاعد لكل المستويات الوظيفية من اعلى السلم الوظيفي الى ادناه، كل ذلك سيساعد على ضخ الدماء الجديدة في المستويات القيادية العليا، و القيام بعملية إعادة هيكلة القطاعات الخدمية بما يتفق والتطور التكنولوجي، مع أهمية الالتزام باللوائح والنظم الناظمة لمهام مختلف قطاعات الخدمة المدنية اعتمادا على الهيكل العام للدولة وفقاً لمخرجات الحوار الوطني، والتحديد الدقيق للدور الوظيفي للجهاز الاداري وتحديد علاقته بالمجتمع وبالقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، و دراسة البنية التنظيمية الادارية لمختلف المستويات الوظيفية.

يجب اخضاع كل القوانين والتشريعات ذات الصلة بالوظيفة العامة للمراجعة واقتراح التعديلات والتشريعات اللازمة وبما يضمن موائمة تلكم القوانين مع التحول الجذري نحو النظام الفدرالي، والتهيئة لإخضاع عمليات التعيين والترقية والنقل والتوظيف وحقوق المعاشات والضمان الاجتماعي لدوائر الخدمة المدنية في اطار الأقاليم، ووضع أسس التمكين الوظيفي العادل لكل المستويات الإدارية الخاضعة لإدارة الأقاليم، ووضع التصورات الكفيلة بعملية دمج الوظائف ونقل الصلاحيات لصالح الاقاليم، وبما يضمن كفاءة وتحسين وتطوير الكفاءة الإدارية في الاقاليم تمهيداً لإلغاء وزارة الخدمة المدنية عند اقرار انشاء الدولة الاتحادية، وفق تزمين خاص يتفق والقدرات البشرية التي يمتلكها كل إقليم، وبالتزامن يكون العمل على انشاء وزارة التنمية والإصلاح الإداري التي يناط بها القيام بالأشراف على بلورة ومتابعة تطبيق الهياكل الإدارية، والاشراف على تأهيل وتدريب الكوادر البشرية في مختلف المرافق، وضبط عملية التدرج الوظيفي لضمان العدالة والكفاءة والنزاهة، ورقابة عدالة الترقيات والرواتب والمكافآت، ووضع أسس مؤامة مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل الحالي والمستقبلي والتنسيق مع مختلف الجهات في ذلك، و بما يضمن توفير الكوادر البشرية وفقاً لاحتياجات الإدارة الحكومة والقطاع الخاص … مع اهمية اجراء تحديث هيكلي لمختلف الوزرات يتم من خلاله استحداث منصب “أمين عام الوزارة”، حيث سيحقق تعيين امين عام الوزارة الاستقرار المؤسسي وسيساعد على استمرار تنفيذ البرامج والمشروعات والخطط والسياسات الخاصة بكل وزارة بعيداً عن اي تأثير للتغييرات التي قد تحدث من وقت لآخر لقيادات الوزارات.

تستدعي الأهمية كذلك القيام بتطوير منظومة الرقابة على عملية التوظيف في الجهاز الحكومي على المستويين المركزي والمحلي، وابعاد الوظيفة العامة عن التجاذبات السياسية، وإعادة النظر في سياسات قياس الأداء والترقي بما يساعد على إعادة التوزيع العادل للسلطة والثروة، مع التأكيد على تجريم التعيينات المخالفة للتشريعات المنظمة لشغل الوظيفة العامة.

تتمثل اول خطوات الإصلاح لمنظومة العمل في الجهاز الإداري للدولة في ربط الرقم الوطني الصادر عن قاعدة بيانات الأحوال المدنية مع قاعدة بيانات وزارة الخدمة المدنية ووزارتي الدفاع والداخلية وقواعد البيانات في مختلف وحدات الخدمة المدنية، حيث سيمثل ذلك نقلة نوعية في إزالة حالات الازدواج الوظيفي وسيساعد كذلك على إزالة الأسماء الوهمية من كشف الراتب.
لقد حان الوقت للشروع في وضع استراتيجية متكاملة لتنمية القدرات البشرية في الأقاليم، ووضع خطط للتنمية الإدارية والإصلاح الإداري بالتعاون والتنسيق مع الجهات المعنية بتنفيذها، وتخفيف الضغط على الإنفاق العام من خلال توفير البيئة الجاذبة للاستثمار، وبما يساعد على خلق فرص عمل خارج اطار مؤسسات القطاع العام للدولة، وبناء قاعدة للبيانات والمعلومات التي يمكن الاستفادة منها في تخطيط مخرجات التعليم في اليمن، ،بما يسهم في تقييم واقع العرض والطلب في سوق العمل، ووضع معاجلة لمخزون التخصصات العلمية لحملة المؤهل الجامعي والدبلوم وخريجي كليات المجتمع والمعاهد الفنية من طالبي الوظائف في الخدمة المدنية.
تشير كل المؤشرات الي ان هناك زيادة ونمو في اعداد المتقاعدين، والى نمو في النفقات التأمينية بشكل متسارع، مع تضاؤل شديد في نمو الايرادات التأمينية، وهذا سيؤدي الى افلاس محتمل ووشيك لهيئة التأمينات ومؤسسة التأمينات، اما صندوقي التقاعد العسكري والأمني قد افلست فعلياً منذ زمن، لذا يجب التأكيد على عدم اغفال اصلاح قطاع التأمينات الاجتماعية وسرعة إعادة هيكلة هيئة التأمينات ومؤسسة التأمينات وصندوقي التقاعد الأمني و العسكري، ووضع أسس لاستثمار أموال المتقاعدين وبما يضمن تنمية القدرات الاقتصادية للهيئة والمؤسسة، والالتزام بتوريد الأقساط التقاعدية وعدم المساس بأموال المتقاعدين، مع سرعة إعداد الدراسة الاكتوارية والتي ستساعد على تحسين أداء قطاع التأمينات الاجتماعية خاصة وان الاختلال في قاعدة المعاشات التقاعدية قد اثر بشكل كبير على كل المتقاعدين، ولم يعد هناك توازن بين المعاشات التقاعدية وبين التضخم الذي حدث في اليمن منذ 2011 وحتي اليوم.
اخيراً… يجدر الإشارة هنا الى ان هناك احد القنابل الموقوتة التي ستنفجر حال الدخول الجدي في مفاوضات السلام والتي تتصل بالخدمة المدينة، حيث ان الضغط السياسي الذي من المحتمل ان تمارسه مختلف الأطراف في اتجاه ضم المجاميع المسلحة التابعة لها لقوائم الخدمة المدنية سواء المدنية او الأمنية او العسكرية، سيؤدي الى تضخم مهول في اعداد موظفي الجهاز الإداري للدولة، و إلى تفاقم حالة البطالة المقنعة، والى مضاعفة الكلفة الإجمالية للأجور والمرتبات، حيث سيتضاعف الانفاق على الباب الأول مما سيشكل كارثة اقتصادية، ستؤدي الى عجز تام للموازنة العامة للدولة لمواجهة ارتفاع فاتورة المرتبات.

 ،، والله من وراء القصد ،،

نبيل حسن الفقيه
19 يونيو 2021م

الرجوع إلى أعلى الصفحة