من كتاباتي

السلطة المحلية … ما بعد الحرب

بسم الله الرحمن الرحيم

يعد ملف السلطة المحلية بعد انهاء الصراع واحلال السلام من اهم الملفات التي يجب الوقوف امامها، خاصة ان عب مرحلة إعادة البناء والتعافي الاقتصادي يتطلب المرونة العالية في تمكين السلطة المحلية من أداء دورها في البناء والتنمية كنوع من الاسهام المباشر في بناء السلام في اليمن.

كما ان المتغيرات التي حدثت في اليمن منذ بدا الصراع السياسي وما افرزه الانقلاب على الدولة من تفكك لمعظم مؤسسات الدولة يتطلب القفز على الواقع المعاش ومنح مساحة واسعة للسلطة المحلية لأداء دورها في إعادة بناء الدولة، والتأسيس لحكم محلي متوازن تدمج فيه السلطات التقليدية المحلية في إطار السلطة المحلية واسعة الصلاحيات والمهام، مع ضرورة استيعاب المتغيرات التي حدثت اثناء الصراع السياسي والتي في مقدمتها التعامل بحنكه سياسية وافق واسع مع مختلف التيارات السياسية والقوى التي ظهرت على الساحة، خاصة بعد ما حدث من انهيار لمنظومة قيم المجتمع في بعض محافظات الجمهورية وشيوع السلوكيات العنصرية المتطرفة الخارجة عن القانون، حيث اثرت تلكم السلوكيات الشاذة بشكل مباشر في تماسك النسيج الاجتماعي واحدثت اثر سلبي على السلطة المحلية حد من قدرة العاملين فيها على خلق حاضنة شعبية تساعد السلطة المحلية من أداء دورها بفعالية.

ان العمل على تضييق مساحة الخلاف والاختلاف بين مكونات المجتمع في اطار المساحة الجغرافية الواحدة وإشاعة روح التسامح والقبول بالأخر سوف يضمن للسلطة المحلية نوعاً من الاستقرار، وسيسهم في إشاعة الامن، وسيساعد على جذب رؤوس الأموال المحلية للاستثمار في مشاريع البنية التحتية.

كما ان وضع الأسس الضامنة لاستقرار السلطة المحلية يتطلب من الجميع تقديم التنازلات للولوج لمرحلة الاستقرار السياسي في عموم اليمن، وان وضع لبنات بناء مرحلة التعافي الاقتصادي هو اهم مراحل الاستقرار السياسي، الا ان ذلك يتطلب من الجميع التعامل مع الواقع الاقتصادي الذي يتسم بمحدودية الموارد والذي تتسع فيه مساحته رقعة الفقر بنوع من العقلانية المتسمة بالموضوعية، بعيداً عن النزق السياسي وعن الحسابات الحزبية الضيقة، وبعيداً عن السعي لتحقيق تطلعات بعض دول الإقليم في تحقيق غايات معينة على حساب الوطن.

الكل يدرك أن السلطة المحلية تأثرت وستتأثر بشكل كبير في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب، وان التأثير القوى والمباشر لمختلف القوى السياسية سيتشكل بشكل قوي في المرحلة التالية لتحقيق السلام في اليمن، حيث ستعمل بعض القوي السياسية على استعاضت خسائرها السياسية نتيجة التنازلات السياسية التي قدمتها لتحقيق السلام وتقليص مكاسبها على المستوى المركزي، الى الضغط في اتجاه الحصول على امتيازات خاصة في إطار السلطة المحلية، مما يؤسس لواقع جديد تفرضه القوى السياسية على السلطة المحلية.

ان المتتبع لتاريخ الصراع في اليمن ما بعد 1962 وحتى يومنا هذا يجد ان كل الاتفاقيات والقرارات المتعلقة بأنهاء الصراع السياسي بين مختلف القوى المتصارعة في اليمن قد استبعد كل ممثلي السلطة المحلية او بعبارة ادق قد استبعد المؤثرين المحليين في إدارة دفة إعادة الاعمار وإصلاح البنية التحتية الرئيسية في المديريات او المحافظات، ومرد ذلك هو ضعف أجهزة السلطة المحلية المتعاقبة في مختلف المحافظات والمديريات، بالإضافة مركزية القرار ومركزية التنفيذ لخطط التنمية، و تداخل العديد من الهيئات والمؤسسات في نطاق السلطة المحلية ، اضف الى ذلك الذهنية السلطوية التي خلقت تشريعات محكومة برغبة في خلق مركزية شديدة للسلطة، وذلك من خلال وضع كل الصلاحيات المهمة والمؤثرة بيد الحكومة المركزية والأجهزة التنفيذية التابعة لها بدلاً من السلطة المحلية، بالإضافة الى عشوائية التقسيم الإداري للمحافظات والمديريات والذي لم يرعى حجم المساحة الى السكان مما أعاق تحقيق التنمية المحلية في معظم المحافظات مع غياب التقسيم الإداري العادل فيما بين مستويات السلطة المحلية في اطار المحافظة الواحدة.

ليس بخافي ان القدرات البشرية لدى السلطة المحلية محدودة للغاية، وان جميع السلطات المحلية في عموم محافظات الجمهورية سيئة الإعداد محدودة الموارد، وان تدهور الأداء قد انعكس في معظم المحليات خاصة اثناء غياب مؤسسات الدولة المركزية نتيجة الحرب.

ولتجنب الإخفاق في تقديم الخدمات الاساسية في معظم المحافظات كان اتجاه السلطات المحلية بشكل مباشر وغير مباشر لمنح مساحة من الحركة للمنظمات غير الحكومية و منظمات المجتمع المدني، فلعبت تلكم المنظمات دور محوري في سد عجز السلطة المحلية خاصة وان قدرة المنظمات على توفير الموارد من خلال منظمات المجتمع الدولي قد مكنها من إيجاد مساحة واسعة للحركة و تقديم الخدمات نيابة عن السلطة المحلية في معظم المديريات وفي مختلف الحافظات، وهنا يجب الإشارة الى ان دور للمنظمات وان كان إيجابي من ناحية الا انه احدث نوعاً من الاتكالية وولد حالة من الحنق الشعبي على السلطة المركزية والمحلية، بالإضافة الى ان  تحقيق المنافع المشتركة فيما بين بعض منظمات المجتمع المدني المحلية  والمنظمات الإقليمية والدولية قد شكل جزءً اساسياً من اقتصاد الحرب في اليمن.

على الرغم من ان السلطات المحلية هي من تتحمل عب التعامل مع الواقع على الأرض وهي من تتحمل مسؤولية بسط الامن والاستقرار، وإعادة الخدمات الأساسية الى سابق عهدها كحد أدني، بالإضافة الى المسؤولية الإنسانية والأخلاقية للتعامل مع ما خلفته الحرب من كوارث إنسانية لعل من أبرزها التعامل مع ملف اسر الشهداء والمعاقين والقضايا الاجتماعية المرتبطة بهم، الا ان كل ذلك لا يشفع لها للعب الدور المحوري والاساسي في إعادة الاعمار وفي تسيير دفة الإدارة على مستوي المحافظات والمديريات نتيجة محدودية القدرات.

وهنا لابد من وضع ملف محدودية القدرات البشرية لدى السلطة المحلية على الطاولة كأولوية أساسية، والعمل على إعداد وتطوير القدرات البشرية في مختلف مفاصل السلطة المحلية، وتحديد حجم ونوعية القدرات البشرية التي يجب توفرها مع التأكيد على أهمية بناء وتطوير القدرات البشرية للقيادات الإدارية والموظفين على المستوى المركزي وعلى مستوى الأقاليم وعلى مستوى المحافظات أو (الولايات)، وعلى مستوى المديريات.

و نجد ان إطلاق مشروع استراتيجي لبناء القدرات البشرية للسلطة المحلية على مستوى الأقاليم، وعلى مستوى المحافظات، وعلى مستوى المديريات من الأهمية بمكان، وحتى تستطيع السلطة المحلية من أداء دورها في التخطيط الاستراتيجي واعداد البرامج التشاركية على المستوى الإقليم، وتقديم الدعم الفني والاستشاري لمحافظات الإقليم، وصولاً لتقديم الدعم والاسناد للمديريات، وحتى تصبح الكوادر البشرية في السلطة المحلية قادرة على إدارة الموارد، و على إدارة المنظومة الإدارية بكفاءة عالية، وعلى جمع وتحليل البيانات وإدارة أنظمة وقواعد البيانات، وهندسة وتصميم و إدارات المشاريع التنموية والخدمية ومراقبة التنفيذ على مستوى الإقليم والمحافظة والمديرية.

مع اهمية تأهيل الكوادر البشرية التأهيل النوعي لتغدوا قادرة على اعداد التشريعات، واعداد الأنظمة واللوائح وادلة الإجراءات لإدارة الموارد البشرية وإعادة توزيع القوى العاملة على مستوي الأقاليم والمحافظات والمديريات، ولتصبح تلك الكوادر قادرة على تقديم الدعم الفني والاستشاري للمحافظات لإعداد الخطط التنموية السنوية، ووضع الثقل على السلطة المحلية في إدارة مرحلة ما بعد انهاء الحرب، ومنح السلطة المحلية المساحة المناسبة لإدارة المرحلة الانتقالية.

والله ولى التوفيق،،،

نبيل حسن الفقيه
20/1/2020 م

Standard