من كتاباتي

اليمن المستنقع الكبير

بسم الله الرحمن الرحيم

بعد مضي اكثر من سنتين على انطلاق العمليات العسكرية للتحالف العربي في اليمن بقيادة السعودية فيما عرف بعاصفة الحزم ، ومن ثم عاصفة الامل … فان امر اقتراب تحقيق نصر عسكري للتحالف يبدو بعيد المنال ، حيث كان المتشائمون يتوقعون ألا يزيد أمد العمليات العسكرية عن ستة أشهر ، الا ان الامر فاق كل التوقعات وامتد امد الحرب الى اكثر من ذلك بكثير ، وسيمتد الى ما شاء الله ، اذ لا يوجد في الأفق ما يلوح من امكانية حسم القتال في اليمن لصالح التحالف خاصة وان جملة من التناقضات في المواقف تلف دول التحالف ( السعودية / الامارات ) .

ففي حين حددت السعودية أهدافها المعلنة والمتمثلة في اعادة شرعية الرئيس هادي و إنهاء تمرد حركة الحوثيين ، والحد من النفوذ الإيراني في اليمن … فان الإماراتيين قد أعلنوا دعمهم للسعودية و شرعوا في تنفيذ أجندتهم الخاصة الغير معلنة والتي تبتعد عن الأهداف السعودية ، حيث تسعى الامارات  الى بسط سيطرتها على الخط الملاحي الواصل بين أوروبا وآسيا ومحيطها الخليجي مروراً بباب المندب وانتهاءً بقناة السويس ، ولا ادل على ذلك ما سعت آلية الامارات منذ وقت مبكّر فقد سيطرت الامارات من خلال موانئ دبي على أكثر الموانئ حيوية والتي تقع على الخط الملاحي بين أوروبا وإفريقيا وآسيا ، ووضعت موانئ اليمن نصب أعينها … الا ان الاخفاق في اليمن قد صاحب عملها خاصة بعد إلغاء اتفاقية ميناء عدن بعد ٢٠١١ ، واستحالت السيطرة على موانئ  الحديدة والمخاء والمكلا  وفق السياسة التي انتهجتها موانئ دبي ، فكان البديل الأمثل هو السيطرة عليها بالقوة .

الامارات … بسط نفوذ ام ماذا!!؟؟
تهيأت الظروف للأمارات من خلال مشاركتها ضمن التحالف السعودي لإعادة الشرعية في اليمن وكان لها ما ارادت فقد سيطرت على ميناء عدن وميناء المخاء وميناء المكلا وعززت تواجدها ببناء قواعد لها بجزيرة ميون وسقطرى ، ما زالت تأمل في السيطرة على ميناء الحديدة ، وحتى تستطيع بسط نفوذها و فرض قوتها على تلكم الموانئ فقد عملت الامارات على انشاء كيانات يمنية هشة تسيطر عليها وتأتمر بأمرها ، كيانات متباينة ومتناقضة في توجهاتها وفي مواقفها وفي  ايديولوجيتها ، و حتى تضمن الإمارات تحقيق مصالحها فقد أحيت من خلال تلك الجماعات الهشة النزعة الانفصالية في جنوب اليمن ، بغرض استخدام تلك الجماعات  كورقة ضغط على السعودية حال الشروع في الترتيبات السياسية في اليمن .

والسؤال هنا يضع نفسه … كيف تتغافل المملكة العربية السعودية عن كل ما يدور من حولها، وكيف يمكن لها ان تفسر قيام الإمارات على إنشاء وتدريب وتسليح مكونات عسكرية خارج إطار سيطرة الدولة اليمنية التي قيل انها دخلت لمؤازرتها؟ … ولماذا تحرص الامارات على خلق تحالفات في اليمن مع مكونات سياسية لم يسبق لها أن تحالفت مع السعودية؟
وما هو المغزى من تعليق الامارات كل أعمالها في اليمن على شماعة محاربة الارهاب في المناطق التي تحت سيطرتها دون غيرها من المناطق التي فعلاً يتواجد فيها الارهاب؟ … وأخيراً كيف يمكن تفسير سعى الامارات الى اقصاء حزب الاصلاح في حين ان هذا الحزب هو الطرف الاساسي الذي يُسند من السعودية؟ … والسؤال الأهم والأبرز ما هو السبيل لخروج السعودية من مستنقع اليمن … خاصة وان الامارات قد شارفت على تحقيق هدفها وان تمكينها من ذلك لا يرتبط بخروج حليفها من المستنقع، فبقاء حليفها في المستنقع هو هدف من أهدافها، ولا يخفى على أحد ان الامارات قد عمدت الى خلق كيان موازي داعم لها لتزاحم به السعودية على نفوذها في حديقتها الخلفية؟

تكرار المكرر!!
لا ينكر بصير أن اليمن مستنقع حقيقي دخلته مصر عبدالناصر في ستينات القرن الماضي ، وضحت بحياة أكثر من ثمانية آلاف جندي قبل أن تضطر إلى مغادرة اليمن، وأدركت يومها السعودية ذلك فتجنبت الوقوع في ذلك الفخ  وعمدت الي شراء ولاءات زعماء القبائل والنخب السياسية ، و عملت السعودية على ضمان استمرار نفوذها في البلاد بذات النهج لفترة زمنية طويلة ، ولم تدرك النخب السياسية في المملكة العربية السعودية ان دوام الحال من المحال وان المتغيرات التي اعقبت ما سمي بالربيع العربي قد حجمت من دور زعماء القبائل والنخب السياسية واضمحلت كل مقومات سيطرتهم على مفاصل الدولة اليمنية .

ونتيجة لحسابات ضيقة قصيرة المدى تماهت السعودية في الفترة السابقة لسيطرة الحوثيين على صنعاء مع الحوثيين وأيدت وان بشكل غير مباشر الحوثيين متوهمة ان هؤلاء هم من يعول عليهم القيام بالقضاء على القاعدة ، ناهيك عن ان الولايات المتحدة قد اقتنعت بإطلاق يد الحوثي في البلاد لمواجهة القاعدة تحت مصطلح  “محاربة الإرهاب” هذا المصطلح المطاط الذي استخدمته جماعة الحوثي ، وتعهدت به بعد انقلابها وسيطرتها على البلاد ، كما ان سعى المملكة العربية السعودية الى كسر شوكة الجناح المسلح لحزب الإصلاح المحسوب على تيار الإخوان المسلمين والموقف المساند للإماراتيين والخليجيين  قد مهد الطريق للحوثيين للسيطرة على كل مفاصل الدولة التي كانت بيد الإصلاحيين ، اذ رحب الجميع بالحرب على الإخوان في اليمن من قبل الحوثيين ، علاوة على ان الضوء الأخضر الذي منح للحوثيين من قبل الرئيس هادي للوصول الى عمران “خطاب هادي في عمران” ما كان ليتم لو لم توافق على ذلك المملكة العربية السعودية  ، فكان ما كان وسقطت صنعاء ، ومن بعدها سقطت اليمن في يد الحوثيين و سقطت السعودية  في المستنقع اليمني الكبير.

مسلمات!!
لكل ذلك نجد ان الأهمية تقتضي من الجميع التمعن في المسلمات الاساسية ودراسة ثناياها وعدم إغفال أي من النقاط الواردة هنا، اذ تمثل تلك المسلمات مدخل لإيجاد المخرج الآمن من المستنقع اليمني حيث تتمثل تلك المسلمات في:

⁃ ان الضربات الجوية الغير مدروسة التي يقوم بها التحالف قد عملت على ضخ الدماء في شرايين الحوثيين وساعد ذلك على توطيد التحالف بين الحوثي وصالح.
⁃ ان استخدام الورقة الاقتصادية للضغط على اليمنيين لن تحقق الغاية منها في الضغط على الحوثيين، اذ ان سياسة التجويع لن تكسر إرادة شعب اليمني.
⁃ ان التعويل على تنامي الخلاف بين الحوثيين وصالح، ومحاولات الايقاع بينهم لن يتحقق خاصة مع رفض السعودية فتح قنوات مباشرة مع صالح، واقتصار امر شق الصف ما بين الحوثي وصالح على الجانب الاعلامي.
⁃ ان استهداف التحالف (السعودية / الامارات) للمواقع المدنية قد أدت إلى تصاعد أعداد الضحايا بين المدنيين، مما أوجد بيئة جاذبة للشباب للالتحاق بجبهات القتال ضد السعودية.
⁃ ان حجم الكارثة الانسانية التي خلفتها الحرب كبيرة جداً، وان التجاوزات في ملف حقوق الانسان لن يغفلها المجتمع الدولي وستواجه السعودية ضغوط غير مباشره وابتزاز من قبل مختلف دول العالم.
⁃ ان إيران لا تزال قادرة على تأسيس ميليشيات تعمل بالوكالة لصالحها في المنطقة، وليس في اليمن فقط، ولديها طموح في تحقيق تقدم ميداني في العديد من الدول (لبنان / سوريا / العراق / البحرين / اليمن).
⁃ ان الحكومة الشرعية قد عجزت في فرض إرادة الدولة في المناطق المسيطر عليها نتيجة تعاضد الرفض الاماراتي لتواجد الدولة اليمنية على الارض مع ضعف الأداء الواضح الحكومي لجل اعضاء الحكومة.
⁃ ان غياب منظومة الدولة اليمنية على الارض وانتشار المجاميع المسلحة خارج اطار مؤسسات الدولة، والانهيار الاقتصادي في اليمن قد وفّرت أرضيّة خصبة لنمو الجماعات المتطرفة بشقيها (داعش / القاعدة).
⁃ ان تحالف الحوثي / صالح لا يزال يسيطر على مساحات واسعة من الأرض ذات الكثافة السكانية التي تمكنه من الحصول على المخزون البشري الذي يوظف للقتال.
⁃ ان عجز الحكومة الشرعية على الإدارة الفعّالة للمحافظات التي تقول إنها تسيطر عليها باتت موضع شك حيث لا أمن فيها ولا استقرار، ولا خدمات.
⁃ ان التحالف (السعودية / الامارات) يستخدم قوات عسكرية بالوكالة، وان هذه القوات تعمل خارج الهيكل الهرمي للحكومة اليمنية، مما يخلق فجوة في المساءلة عن الانتهاكات التي قد تشكّل جرائم حرب.
⁃ ان تعاظم الدور الإماراتي في جنوب اليمن، وانتشار المليشيات التي تتلقّى تمويلها المباشر من الإمارات، ودون علم السلطة الشرعية في اليمن سيؤسس لنزاع طويل المدي يؤثر بشكل مباشر على السعودية.
⁃ ان التداعيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية واستمرار نزيف الدم اليمني وتدمير الحجر والشجر لا يمكن ان تتجاوزه اليمن في المستقبل القريب، وان عدم الاستقرار نتيجة ذلك سيمس السعودية بشكل مباشر.
⁃ ان المكونات السياسية الضالعة في الازمة والحرب لن تحقق أهدافها السياسية المعلنة وغير المعلنة الا بالتنازل عن بعض رؤاها السياسية لبعضها البعض، وعدم التمترس خلف الوهم العسكري الذي اثبت فشله نتيجة للحسابات الضيقة لدولة الامارات.
⁃ ان عدم الاستقرار في كل مناحي الحياة قد مَس مختلف محافظات الجمهورية اليمنية دون استثناء، مما يولد حالة من الحنق المجتمعي على السعودية.
⁃ ان استمرار العمليات العسكرية والسعي لتحقيق انتصار عسكري محال ان يتم ولن يحقق أي طرف غاياته، خاصة وان الشواهد التاريخية توكد استحالة ذلك نتيجة للتشابك في المصالح الدولية والإقليمية في المنطقة.
⁃ ان استمرار القتال بين الاخوة اليمنيين قد ولد حالة من الثأر الخفي، وأثر القتال على مختلف شرائح المجتمع ووسع من دائرة العنف المجتمعي ومعه توسع الشرخ الاجتماعي، مما يولد حالة من عدم الاستقرار في اليمن والمنطقة برمتها.
⁃ ان ما يعرف ب (اقتصاد الحرب) قد تشكل فيما بين طرفي النزاع واوجد الارض الخصبة للاسترزاق من الحرب في اليمن.
⁃ ان استمرار نظرة السعودية تجاه اليمن من خلال منظار ضيق يتمحور في ضخ الأموال الطائلة لصالح بعض القادة وبعض القبائل الموالية وبعض القادة الحكوميين بهدف كسب ولائهم، والتحكم بهم لأضعاف سلطة الدولة في اليمن قد اثمر سلباً على السعودية ما بعد ٢٠١١م ، حيث فقدت تلك القوى قدرتها على التأثير على الارض .
⁃ ان محاولة السعودية اعادة ضخ الدماء في ثنايا القوى التقليدية (شيوخ القبائل)، والسعي لجذب شرائح جديدة يمكن استخدامها، كما تم مع السابقين من القادة ورجال القبائل، لن يكتب لها النجاح فقد تعرت تلك القيادات وفقدت قدرتها على التأثير الإيجابي على الارض.
⁃ ان اليمنيون الذين يدفعون ثمنا باهظا للحرب، يعيشوا على أمل انتهاء القتال وعودة السلام لليمن.
فاذا ما تم الوقوف امام تلك المسلمات، ووضعت النقاط على الحروف فإننا سنجد ان الأهمية تقتضي الوقوف امام اقفال هذا الملف للخروج من المستنقع اليمني، وان على السعودية ان تنظر في امر إنهاء الازمة اليمنية من زاوية الشراكة والمشاركة لكل المكونات اليمنية، وان على السعودية بذل الجهد المضاعف في سبيل جر الاطراف اليمنية الى طاولة المفاوضات على قاعدة لا ضرر ولا ضرار، والانفتاح على كل المكونات السياسية الداعمة، وان لا تنظر الى اليمن فقط من زاوية بعض اصحاب المصالح الانية من القادة السياسيين اليمنيين.

والله من وراء القصد،

نبيل حسن الفقيه
عمان / 14 أكتوبر 2017م

Standard

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *