من كتاباتي

اليمن ما بعد قمم مكة

بسم الله الرحمن الرحيم

عندما أعلنت الولايات المتحدة إرسال حاملة طائراتها وقاذفات بي 52 لمنطقة الخليج وعززت من منظومة بطاريات باتريوت في منطقة الخليج، ضن الجميع ان المواجهة الإيرانية الامريكية أصبحت قاب قوسين او أدنى … الا ان واقع الحال يشير الى غير ذلك، فالكل يستبعد المواجهة الامريكية الإيرانية.

اذ تشير كل المعطيات والدلائل ان الولايات المتحدة الامريكية ستعمد على استغلال هذا الحشد العسكرية لتصعيد حالة العداء بين ايران والسعودية بهدف مزيد من الابتزاز وبهدف تحويل حالة العداء العربي الإسلامي لسرائيل لحالة من العداء الجامع العربي الإسلامي الإسرائيلي لإيران، فتحقق بذلك الولايات المتحدة اكثر من هدف في ان واحد … ولعل أول تلكم الأهداف هو إيصال العرب لحالة من التوافق مع الكيان الإسرائيلي، والتسليم بما يمكن ان تقدمة الولايات المتحدة من صفقة لأنهاء حالة الصراع العربي الإسرائيلي… وثانيها الاستمرار في ابتزاز المملكة العربية السعودية ودول الخليج من خلال الاستمرار في استخدام الفزاعة الإيرانية خاصة وان إدارة الرئيس ترامب هي من تقف وراء التصعيد الأخير في المنطقة وقد مهدت لذلك بالانسحاب من الاتفاق النووي، ليخرج بعدها الرئيس ترامب امام عدسات الاعلام متشدق بالقول الفج ( نحن من يحمي السعودية من ايران ).

كما ان اظهار إيران لنواياها “الثورية” واستخدام أذرعها في المنطقة العربية ( الحوثيين / الحشد الشعبي / حزب الله) لتهديد إمدادات النفط العالمي وسعيها للسيطرة على مضيقي هرمز وباب المندب والتضييق على الملاحة العالمية وامدادات الطاقة، واستمرارها في زعزعة الامن العالمي من خلال نقضها لتعهداتها المتعلقة بالاتفاق النووي والاستمرار في تطوير الصواريخ بعيدة المدى والتي تهدد مختلف دول الإقليم، كل ذلك قد ساعد على تسويق الأفكار الامريكية ومهد الطريق لتنفيذ مخطط الابتزاز وتحويل البوصلة في اتجاه القبول بإسرائيل كشريك للعرب.

وحتى يثبت الرئيس ترامب ذلك كان الزاماً على الإدارة الامريكية رفع حدة التوتر في منطقة الخليج وتضخيم الفزاعة الايران والقيام بالخطوات العملية في هذا الاتجاه ومن ذلك القيام بالحشد العسكري الأمريكي وإظهار جدية المواجهة فيما بين إيران وامريكا… في حين ان الواقع يشير الى غير ذلك خاصة وان الدبلوماسية قد تحركت وفتحت الأبواب الخلفية لتقوم بدورها في خفض التصعيد.

لقد اظهرت كل التقارير الدولية أن المواجهة بين الولايات المتحدة الامريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية ليس وارداً … بل ان القتال بينهم يعد في حكم المستحيل، وما تأكيد الرئيس ترامب من انه لا توجد خطة لدى أمريكا لإرسال حشود عسكرية ضخمة إلى الخليج وان ما تم حشده في وقت مبكر يفي بالغرض الا دليل قاطع على ان لا مواجهة ستتم بين أمريكا وايران، وان جل ما يمكن ان يتم هي المواجهة الغير مباشرة من خلال الاذرع التي يمتلكها كل طرف في المنطقة.

اذاً فالإمر يتعلق برمته في المقام الأول باستمرار الابتزاز الامريكي للسعودية والخليج، وفي المقام الثاني وضع الإيرانيين كأعداء للامة العربية والإسلامية بدلاً عن الإسرائيليين، وصولاً لتسويق الإسرائيليين كصدقاء يمكن الوثوق بهم في مواجهة إيران.

من هنا كان انطلاق السعودية نحو محاولة إيجاد المخرج الذي يخفف عنها الضغط الأمريكي وحالة الابتزاز المتنامية هذا من ناحية، ومن ناحية اخري إيصال رسالة مفادها ان قضية القدس والقضية الفلسطينية برمتها تعد من القضايا التي يشترك في تقرير مصيرها العالمين العربي والإسلامي ووفقاً للقرارات الدولية، مع يقيني ان كل ذلك يندرج في اطار التمهيد الأول للألية التي سيتم التعامل من خلالها مع صفقة القرن القادمة.

لقد وضعت المملكة العربية السعودية ثقلها على العالمين العربي والإسلامي في قمم مكة الأخيرة في مشهد قلما يتكرر، ووضعت السعودية ملف التهديد الإيراني للأمن العالمي والامن الإقليمي كهدف جامع للأمتين العربية والإسلامية ولها الحق في ذلك، وجعلت موضوع امن المقدسات الإسلامية وتامين خطوط نقل الطاقة كأولوية قصوي تنطلق منه السعودية لتامين امنها القومي وهذا ما يجعل ملف الحرب مع الحوثيين في اليمن يأخذ منحنى جديد قوامه في الأصل تامين الأمن القومي السعودي المفضي لتامين المصالح العالمية في المنطقة.

لذا نجد ان حرب اليمن لم تعد حرب لاستعادة الشرعية ومناصرة الرئيس هادي، حيث تحول الامر برمته بعد قمم مكة في اتجاه حصول المملكة العربية السعودية على تفويض اممي يمكنها من الحفاظ على الامن القومي السعودي وصولاً لتامين الامن العالمي من الطاقة، وستعمل المملكة العربية السعودية بعد قمم مكة بخطوات يمكن ان توصف بانها خطوات مشروعة للحفاظ على امنها القومي تحت مبدأ الدفاع عن النفس وهذا المبدأ لا يحتاج لتفويض او للإقرار من مجلس الامن.

كما ان القيادة السعودية لم تعد تحتاج للغطاء القانوني لتدخلها في الحرب في اليمن … وبعبارة اخري لقد تجاوزت السعودية الرئيس هادي في قمم مكة وحصلت من خلال الاجماع على حق السعودية في حماية امنها القومي على غطاء تتجاوز به الرئيس هادي وسيصبح قرار الحرب وقرار السلم كامل بيد السعودية.

وحتى لا تجد الشرعية نفسها بمعزل عن كل ما يحيط بها في ملف المواجهة مع الحوثيين ان حرباً او سلماً نجد ان الأهمية تقتضي القيام بأهم خطوة في اتجاه استعادة الشرعية لمكانتها وتتمثل هذه الخطوة بإعادة هندسة العلاقة بين التحالف والشرعية وكخطوة في اتجاه دمج كل الكيانات المسلحة التي أنشأت خارج وزارتي الداخلية والدفاع في إطار الوزارتين وتحديد أسس العلاقة فيما بين كل أطراف التحالف واليمن، وتحديد دور دولة الامارات العربية في إدارة المناطق الخاضعة للشرعية، وضرورة وضع حد لمستوي التدخل في إدارة المرافق الخدمية خاصة المطارات والموانئ والمنشئات النفطية وإعادتها جميعها للسيادة اليمنية، وإعادة ترتيب الوضع العسكرية بكل جدية في سبيل انهاء الانقلاب الحوثي واستعادة الشرعية للدولة وفقاً للمرجعيات المعتمدة القرارات الدولية ومخرجات الحوار الوطني، والمبادرة الخليجية.

والله ولي التوفيق …

نبيل حسن الفقيه
1 يونيو 2019م

Standard

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *