باب المندب، والحكومة اليمنية- التفكير خارج الصندوق

8 فبراير, 2024

مضيق باب المندب، هذا الممر المائي الضيق الذي يفصل اليمن عن جيبوتي ويربط البحر الأحمر بخليج عدن، يقف كشاهد على التاريخ الطويل للتجارة البحرية والصراعات الجيوسياسية، فلقد القت الهجمات التي نفذتها المليشيات الحوثية ضد السفن التجارية وخطوط الملاحة البحرية في مضيق باب المندب بظلالها على الأمن في المنطقة، مما زاد من مخاطر النزاعات المسلحة، والتهديد بتوسيع دائرة الصراع في الشرق الأوسط، حيث ادت تصرفات مليشيات الحوثي إلى زيادة حدة التوتر في البحر الأحمر، و إلى عدم الاستقرار في هذه المنطقة الحيوية التي تعد ممرًا استراتيجيًا يربط البحر الأحمر بخليج عدن.

في الوقت الراهن، يجد اليمن نفسه في مفترق طرق حرج، حيث تتجاذب اليمن التحديات الاقتصادية الهائلة والفرص الكبيرة في آن واحد. وسط هذا السياق المعقد، تبرز أهمية باب المندب كعامل حاسم ليس فقط في تحديد مستقبل اليمن الاقتصادي، ولكن أيضًا كعنصر أساسي في الأمن والاستقرار الإقليميين والعالميين، خاصة في ظل الأزمات المتعددة التي تجتاح اليمن، من الصراع المسلح إلى الأزمة الإنسانية المتفاقمة، إلى التجاذبات الاقليمية والصراع على السيطرة، يكتسب باب المندب أهمية متزايدة كركيزة اقتصادية قد تشكل مفتاح للخروج من دائرة العوز الاقتصادي والفقر وقلة الموارد، والنزاع على السيطرة. اذ يعد هذا الممر البحري الاستراتيجي مفتاح للنمو الاقتصادي لليمن، فباب المندب ليس فقط شريان حياة للتجارة العالمية، حيث يمر عبره نحو 10% من التجارة العالمية، بل أيضاً بمثابة فرصة ذهبية لليمن لتعزيز اقتصاده من خلال وضع استراتيجية متكاملة تضمن تقديم سلسلة من الخدمات المتعلقة بالنقل البحري واللوجستيات. ومع ذلك، تقف البلاد أمام تحديات جسيمة تحول دون استغلال هذه الفرصة إلى أقصى حد.

يدرك الجميع أن اليمن يعاني من عدم الاستقرار السياسي والأمني لسنوات، ويواجه عقبات كبيرة تعيق تحوله إلى مركز تجاري بحري رئيسي، فالبنية التحتية متدهورة، والاستثمارات منعدمه، والقيود المفروضة على الوصول الآمن إلى البحر عاليه، مع غياب كلي لمنظومة الدولة، كلها عوامل أسهمت في تقييد قدرة اليمن على الاستفادة من موقعه الجغرافي المميز. ومع ذلك، تظل الإمكانات الاقتصادية لباب المندب كبيرة، ويمكن أن تسهم في إحداث تحول جذري في الاقتصاد اليمني إذا ما تم توجيه الجهود الصحيحة نحو استثمارها.

ان تعزيز الأمن في منطقة باب المندب، والتركيز على تحسين البنية التحتية البحرية واللوجستية، يمكن أن يجذب استثمارات دولية ويفتح أبواب التجارة أمام اليمن وتحويلها الى منطقة ارتكاز للتجارة العالمية، كما أن التعاون مع الدول المجاورة المطلة على البحر الأحمر يعد امر ضرورياً لضمان الاستفادة القصوى من هذا الممر الحيوي لكل الأطراف، ونخص بالذكر هنا جيبوتي وإريتيريا من جهة والمملكة العربية السعودية من جهة اخرى، مع عدم اغفال جمهورية مصر العربية والتي يجب ان تلعب دوراً محورياً في عملية استقرار الأوضاع في اليمن لما لذلك من انعكاسات ايجابية على ممر باب المندب، وبالتالي قناة السويس، وضرورة ايجاد علاقة متينة مع مختلف المنظمات الدولية العاملة في مجالات الأمن البحري والتنمية الاقتصادية.

ولتحقيق ذلك يجب ان تقتنع الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا على وجه الخصوص ومن خلفهم مختلف الأطراف الدولية الفاعلة، بأن استعادة الدولة من المليشيات وضمان سيطرة الشرعية على كافة الأراضي اليمنية هي الخطوة الأولى والأساسية نحو تحقيق الاستقرار والأمن في المنطقة، وانه بات الوقت مناسب لاستخدام مختلف القنوات الدبلوماسية والعسكرية والضغط الدولي على مختلف الأطراف الإقليمية على وجه الخصوص لحل الخلافات والنزاعات المؤثرة على استعادة الدولة اليمنية والوصول الى توافق في الآراء حول أهمية وضرورة استقرار اليمن المفضي لاستقرار باب المندب.

يجب ان يعلم الجميع بان باب المندب ليس مجرد نقطة عبور حيوية للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة، ولكنه أيضًا عنصر أساسي في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والأمني الإقليمي والدولي، و فرصة حقيقية لليمن لتعزيز استقراره وازدهاره ونموه الاقتصادي، وان الاستفادة من هذه الفرصة تتطلب وضع رؤية استراتيجية مدروسة تأخذ بعين الاعتبار الواقع الأمني والسياسي، وتضع اهمية بالغة للتعاون الاقليمي والدولي، من خلال التركيز على ابراز الفائدة المتوخاة من باب المندب لمختلف الأطراف المحلية والاقليمية والدولية، والتفكير خارج الصندوق.

يجب ان ندرك ان تحقيق التطلعات الاقتصادية في سياق معقد مثل اليمن ومنطقة باب المندب يتطلب نهجًا واقعيًا يأخذ في الاعتبار تطلعات ومصالح جميع الأطراف المعنية، سواء كانت محلية، أو إقليمية أو دولية، هذا النهج المتوازن لا يعني التضحية بالأهداف الوطنية، بل يشير إلى ضرورة البحث عن أرضية مشتركة تسمح بالتقدم نحو تحقيق الأهداف المشتركة، وهذا ينطلق من زاوية تحليل المصالح الاقتصادية والأمنية للدول الإقليمية والقوى الدولية في باب المندب لفهم كيف يمكن تحقيق التوازن بين تلك المصالح والتطلعات الوطنية، مع ضرورة استخدام الدبلوماسية لبناء الثقة والتفاهم المتبادل حول الفوائد المشتركة التي يمكن أن يجلبها الاستقرار والتنمية في باب المندب.

ان التفكير المبتكر يستلزم الشجاعة في مناقشة تأسيس الشراكات الاستراتيجية مع دول ذات نفوذ كبير سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا بهدف إقامة مشروعات تحقق الفائدة لاطرافها، وهو ما يعزز المصالح المتبادلة. وان تبادر الحكومة لوضع رؤية استراتيجية للاستثمار المشترك بشراكة استراتيجية مع مختلف الدول المطلة على البحر الاحمر ومع دول أخرى ومستثمرين دوليين، مع التأكيد على أهمية إيمان كافة الأطراف بأن استقرار المنطقة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتحقيق الاستقرار والنماء في اليمن ومنطقة باب المندب.

يجب ان تنطلق هذه الرؤية من خلال وضع دراسة لإنشاء منطقة خدمات لوجستية عالية الكفاءة تتوفر فيها البنية التحتية اللازمة المتمثلة في الموانئ، ومستودعات التخزين، وأحواض السفن، وشبكة الطرق، والمناطق الصناعية، مع تقدم حلولاً لوجستية متطورة تستفيد من أحدث التقنيات في إدارة الشحن والتخزين، مما يزيد من كفاءة سلسلة التوريد، و يسهم في تسهيل حركة البضائع والخدمات فيما بين الشرق والغرب، وتسهيل وصول البضائع إلى الأسواق الدولية، علاوة على ان تطوير وتشغيل المنطقة اللوجستية سيخلق فرص عمل جديدة لمختلف السكان المحليين المطلين على البحر الاحمر في مختلف القطاعات الاقتصادية.

لابد ان تسعى الحكومة بالتوازي لتعزيز القدرات الداخلية واعتماد برنامج واقعي للإصلاح الاداري والاقتصادي والتنموي ومكافحة الفساد، ووضع برنامج للاستثمار في الانسان من خلال انتشال التعليم من واقعه المزري، ومنح مساحة واسعة للتدريب والتأهيل المهني، وإطلاق مشروع لإعادة هيكلة القطاعات الاقتصادية في المناطق المطلة على البحر الأحمر لتتوافق والرؤية الاستراتيجية، مما يساعد على تعزيز الثقة باليمن وجعله شريكًا قويًا وفعالًا في التعاون الإقليمي والدولي.

يجب على الحكومة اليمنية والشركاء الدوليين العمل معاً لتطوير إطار قانوني وتنظيمي يدعم الاستثمار والتجارة، في منطقة مضيق باب المندب والبحر الأحمر، وتنفيذ أفضل الممارسات العالمية في إدارة المنطقة اللوجستية، والاستعانة بالقوانين والاتفاقيات الدولية كأساس لتطوير الإطار القانوني الذي يضمن حقوق الاستثمار ويحمي المستثمرين، وتأسيس نظام قانوني يتميز بالشفافية ويتبع مبادئ الحوكمة الرشيدة، وتطوير آليات فعالة لمكافحة الفساد، مع توفير نظام قضائي قوي ومستقل يضمن تطبيق القوانين بشكل عادل وشفاف، ووضع تدابير واضحة لمعالجة المخاطر والتحديات المحتملة، وتمكين المجتمعات المحلية والقطاع الخاص من المشاركة في عملية صنع القرار، لتعزيز الشفافية والمساءلة وضمان أن الإطار القانوني والتنظيمي الذي يلبي احتياجات جميع الأطراف المعنية، بالإضافة للعمل مع المنظمات الدولية مثل البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية لتبني وتطبيق أفضل الممارسات في إدارة المناطق الاستراتيجية، مع عدم اغفال تطوير برامج لبناء القدرات تستهدف الموظفين الحكوميين والقطاع الخاص لضمان التنفيذ الفعال للقوانين والتنظيمات الجديدة، ووضع استراتيجية فعّالة للتعامل مع الأزمات والكوارث، وضمان أن تنمية باب المندب تتم بطريقة تحافظ على البيئة البحرية وتعزز الاستدامة.

على الحكومة اليمنية الجديدة ان تبادر لوضع هذه الرؤية امام المجتمع الدولي واستغلال المنتديات الدولية لطرح رؤية اليمن وتطلعاته واستعداد الحكومة للعمل المشترك مع الآخرين لتحقيق أهداف مشتركة، والدخول في التفاوض مع الأطراف الأخرى من موقف يظهر الاستعداد للتعاون والشراكة، ويبرز الأهمية الاستراتيجية لليمن ودوره في تأمين مضيق باب المندب، وإظهار كيف أن في استقرار اليمن واستعادة الشرعية واستعادة الامن سيصب في مصلحة الجميع.

 ،، والله من وراء القصد ،،

نبيل حسن الفقيه
8 فبراير 2024م