لقاءات صحفية

حوار صحيفة الغد

وزير السياحة لـ”الغد”: اليمن لن تكون مرتعاً للسياحة الماجنة ولن نستطيع أن ننافس

حاوره/ محمد الأحمدي
اعتبر المجتمع خط الدفاع الأول ضد “لإرهاب” والاختطافات وكشف عن إطلاق وحدة أمن السياحة قريباً وانتقد الموقف الفرنسي من حادثة الطائرة المنكوبة
كشف وزير السياحة نبيل الفقيه عن إطلاق عمل وحدة أمنية جديدة في غضون الأيام القليلة القادمة في سياق جهود الوزارة لحماية السياحة تسمى “وحدة أمن السياحة”، بالإضافة إلى جملة من الإجراءات المرتقبة لتأمين حركة السياح وتنقلاتهم بطريقة “علمية منظمة وسلسة”، حد قوله،مشيراً إلى أن السياحة التي رسمت في أذهان بعض الأطراف “ليست هي السياحة التي نستهدفها”، وأن اليمن تنطلق من رؤيتها للسياحة لتقديم سياحة ذات بعد ثقافي عربي وإسلامي صرف.
ولفت وزير السياحة إلى أن عدد السياح الوافدين إلى اليمن من مختلف الجنسيات ارتفع خلال النصف الأول من العام الجاري 2009 بزيادة قدرها 14% عن نفس الفترة من العام الماضي، رغم الأحداث “الإرهابية” والاختلالات الأمنية التي شهدها اليمن خلال الأشهر الماضية..
مضيفاً – في حوار أجرته معه “الغد” – بأن ذلك انعكس بالتالي على إيرادات القطاع السياحي خلال ذات الفترة، لتصل إلى نحو 387 مليون دولار، لكن الوزير الفقيه أقرّ بالمقابل بتراجع عدد السياح من دول أوربية، نتيجة أعمال خطف وتفجيرات طالت سياحاً من هذه الدول.
الحوار تطرق إلى العديد من القضايا ذات الصلة بالنشاط السياحي وتداعيات الأزمة السياسية على قطاع السياحة، وغيرها.. إلى الحوار:

*نبدأ من حيث الأزمات الراهنة التي تمر بها البلاد، والأوضاع السياسية، هل ثمة انعكاسات بسببها على النشاط السياحي؟
** أولاً أرحب بك وبالصحيفة.. أؤكد لك بأن الأزمات السياسية الراهنة في اليمن تؤثر تأثيراً سلبياً على مجمل الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية بما فيها الجانب السياحي، لكن يجب أن لا نكون مرتهنين لهذه الأزمات وعلينا أن نحاول الخروج منها من خلال التكيف مع واقع الحال بما لا يعيق حركة السياحة ويؤثر سلباً على النشاط السياحي، الأزمات في اليمن قد تتناظر مع كثير من دول العالم، لكنها تأخذ بُعداً إعلامياً مضخماً يؤثر سلباً على مجمل الأنشطة ومنها النشاط السياحي.

*وما هو الحل برأيك في هذه الحالة؟
** أنا هنا أوجه دعوة أكررها دائماً وأقول أن هناك مؤثرات سلبية ليست على من هم الآن في الحكم أو من يديرون دفة الحكم، وإنما مؤثرة بشكل عام على سمعة البلد، وسمعتها اليوم متأثرة سواء كان الحزب الحاكم حالياً هو المؤتمر الشعبي العام أو غداً سيكون اللقاء المشترك أو حزب الإصلاح أو الاشتراكي، عندما تتأثر سمعة البلد تتأثر المعطيات كلها، وبالتالي فإن إعادة رسم الصورة الإيجابية لليمن عندئذٍ ستأخذ وقتاً طويلاً وجهداً ومالاً من كل الأطراف وليس فقط ممن هم موجودون في الحكم.. وعليه فإن أي أثر سلبي من أي تداعيات في هذا الإطار يؤثر على اليمن حاضراً ومستقبلاً.. ومن هنا يجب أن نعي وأن يعي الإعلام وشركاء العمل السياسي بأن الأثر السلبي نتيجة التمترس في مواقع معينة أو الوقوف ضد مصالح البلد لن يكون المتأثر القطاع السياحي أو أنا كوزير سياحة من المؤتمر الشعبي، وإنما قد يكون المتأثر أي وزير سياحة قادم ويصعب عليه تصحيح الصورة المغلوطة التي رسمت عن اليمن في الخارج.

*وكأنك تطالب الآن المعارضة وكل القوى السياسية بأن تساهم في تصحيح صورة اليمن خارجياً، أليس كذلك؟
**هذا مؤكَّد، بناء الصورة الإيجابية ليس مسؤولية جهة معينة، وإنما مسؤولية كل الأطراف، وأعتقد أنه يجب أن يكون لنا خطوط ومحددات لا نتجاوزها حتى لا نؤثر على اقتصاد البلد وسمعته، نختلف والاختلاف رحمة ولكن نختلف بحدود، وبما لا يجعلنا نؤثر سلباً على حراك اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي يؤثر على اليمن على المدى المنظور، وبالتالي هي مسؤولية مشتركة للمؤتمر ولأحزاب المشترك وكل الفاعلين في الحياة السياسية في اليمن في بناء وتحسين الصورة الإيجابية لليمن.

*لكن الوضع السياسي متأزم أصلاً، كيف يمكن تحسين هذه الصورة؟
** أنا لا أقصد بالضرورة تحسين الصورة الإيجابية السياسية، لنبتعد عنها، أنا أقول الصورة الإيجابية لليمن اجتماعياً واقتصادياً وأمنياً وسياحياً.. صحيحٌ أن هناك اختلالات أمنية، لكنها موجودة في كل مكان وليست في اليمن فحسب، وعليكم أن تراجعوا الإحصائيات والبيانات التي تصدر عن الولايات المتحدة الأميركية كم مستوى الاختلالات الأمنية وهي القوة العظمى في العالم، فضلاً عن دول أوروبا وغيرها من دول العالم، ستجد أن هناك اختلالات أمنية متفاوتة لكن هذا لا يعني أن “ندق إسفيناً” في ظهر البلد يؤثر علينا جميعاً، يجب أن نعي جميعاً مسؤوليتنا في إعادة رسم وبناء الصورة الإيجابية لليمن البناء السليم، حفاظاً على معيشة الفرد أيضاً.. اليوم عندما يتأثر القطاع السياحي نتيجة الأزمات والاختلالات والتداعيات التي ليس لها حدود فإن ذلك يؤثر سلباً وبطريقة مباشرة على حياة الفرد والمجتمع، سائق السيارة، المرشد السياحي، صاحب المطعم، صاحب الفندق، الحرفي، وقطاعات كثيرة تتأثر من ذلك.

*أنت أشرت إلى مسألة الاختلالات الأمنية، البعض يقول أن عدم حسم الحكومة لكثير من القضايا سواء سياسية أو حقوقية مطلبية أو حتى أمنية وإبقاءها معلقة تعتبر سبباً للقلاقل والاختلالات وتنعكس سلباً على النشاط السياحي؟
** هي ليست نتيجة عدم رغبة الحكومة في حسم القضايا وإنما أيضاً شركاؤنا في العمل السياسي، وعدم رغبتهم في التعاون معنا لحسم مثل هذه الأمور والقضايا، ولنكن واضحين، هناك قضايا نحملها أكثر من حِملها في ممارساتنا اليومية، وبالتالي تضخيمها ولو وضعت في مسارها الصحيح لمتابعتها أمنياً وقضائياً وعدم تضخيمها وعدم محاولة تسييسها وإدخال أكثر من طرف فيها؛ فإنه يمكن حسمها في أسرع وقت ممكن، لكن عندما تتداخل المكايدات السياسية والعمل الحزبي وأصحاب النفوذ في قضية أمنية معينة تجعل من الصعب جداً حسمها، عندما تتحول قضية جنائية إلى قضية سياسية فإنها تخرج عن بعدها الجنائي، وبالتالي تأخذ منحى مختلفاً ولا تحسم في وقتها وتتضخم.. الاختلالات الأمنية الموجودة فعلاً قد تشوبها شائبة مثلاً عدم الحسم في الوقت المناسب أو عدم بت القضاء بسرعة في بعض القضايا، لكن نحن نزيد الأمر تفاقماً بالتداخلات غير المحسوبة.. يجب أن نعي بأن هناك قوانين ولوائح وأنظمة بالية يجب إعادة النظر فيها، وكذلك يجب أن تعي منظمات المجتمع المدني أن لها دوراً في تفعيل بعض القضايا ذات البعد الاجتماعي وذات البعد السياسي، لكن ليس بإقحامها في قضايا ذات بعد جنائي مثلاً.. يجب أن نرفع مستوى الوعي لدى الإنسان اليمني، ولذلك فإن الدخول لوعي المواطنين من خلال الإدراك البسيط لجوانب الحياة السياسية يعد إقحاماً لهم في قضايا ذات بعد سياسي أكثر منه أمنياً.
أشاطرك الرأي بأن هناك اختلالات أمنية يجب أن تكون هناك وقفة صادقة معها، عدم حسم قضايا الاختطاف مثلاً بالتشديد في الأحكام يمثل إشكالية، وهذا يرجع إلى قانون الاختطاف والتقطع الذي يجب إعادة النظر فيه، وكذلك قانون حمل السلاح يفترض الإسراع في إنجازه من قبل مجلس النواب.. وبالتالي فهذه قضايا ترتبط أيضاً بالمنظومة التشريعية في البلد، وكذلك ثقافة المجتمع وأهمية رفع مستوى الوعي لديه.

*الوزارة أعلنت عن ارتفاع عائدات السياحة العام الماضي 2008 بزيادة قدرها 25 مليون دولار عن سابقه، ما السبب في ذلك رغم أن اليمن شهدت حينها سلسلة من العمليات “الإرهابية” والاختطافات؟
** أولاً أشير إلى أن السائح ليس فقط هو السائح الأوروبي فحسب، الناس في الشارع لا يعرفون السائح إلا أنه ذو العيون الزرقاء مع العلم أن الأسواق الأوروبية هي التي تأثرت بشكل كبير جداً خصوصاً السوق الألماني، الفرنسي، الإيطالي، بسبب حوادث الاختطاف أو حوادث الإرهاب المرتبطة بتنظيم “القاعدة”، لكن السياحة ليست مقتصرة على السائح الأوربي، لدينا من الأقاليم حول العالم أسواق متعددة، لدينا السوق الخليجية، سوق شرق آسيا، بالإضافة إلى المغتربين اليمنيين وهذه شريحة كبيرة جداً نستهدفها في الإجازات الصيفية، وهؤلاء جميعهم يشكلون العدد الأكبر من السياحة، وإذا أخذنا فقط التعريف العالمي للسائح فهو أي زائر مؤقت لبلد لأي غرض من الأغراض المختلفة غير الإقامة، ولا تتجاوز مدة إقامته 12 شهراً ولا تقل عن 24 ساعة، وهذا تعريف المنظمة العالمية للسياحة المعتمد عالمياً، وبالتالي فإن السياحة الوافدة الخاصة بالمغتربين اليمنيين الذين يأتون إلى اليمن لقضاء إجازتهم أدرجت ضمن الأعداد السياحية، والحراك السياحي القادم من المملكة العربية السعودية والخليج وصل إلى أكثر من 70 % العام الماضي من مجمل الحراك السياحي.

*معنى ذلك أيضاً أنه حتى السياحة الداخلية يمكن أن تكون ضمن هذه الحسابات؟
** لا، لم تدخل السياحة المحلية حتى هذه اللحظة، رغم أن مؤشراتها كبيرة جداً، وهؤلاء السياح المحليون يثرون في ميزان المدفوعات في قاعدة الإنفاق السياحي، بمعنى أن الخدمات السياحية المكونة من فنادق، مطاعم، وكالات سياحة وسفر، نقل سياحي يستخدمها السائح المحلي سواء لغرض تجاري أو زائر أو غيره، فهو يعد سائحاً، لأنه يستخدم قاعدة الخدمات السياحية، ولكن حتى هذه اللحظة لم تتمكن وزارة السياحة من إدراج السياحة الداخلية في حساباتها وهي تفوق بأرقام كبيرة جداً المؤشرات الحالية للسياحة الداخلية، ونتيجة لـضعف قاعدة البيانات والمعلومات الموجودة عندنا.. وزارة السياحة أنشئت عام 2006 وبدأنا ننشئ قاعدة بيانات ومعلومات في هذه الفترة، ولا نزال نحتاج إلى وقت طويل، ونحن الآن لا نزال نعمل على مشروع مسح الإنفاق السياحي، المنصة المشتركة لحساب الفريق، وكلها تثري في قاعدة البيانات والمعلومات وهذا بالتالي يظهر كيفية احتساب العوائد ويظهر النمو أيضاً ومدى إسهام السياحة في الإقتصاد الوطني .
نحن اليوم نتكلم -وأنتم أول صحيفة – تطلع على الإحصاء السياحي في النصف الأول من عام 2009م، أؤكد لك أن هناك نسبة نمو، الناس يستغربون كيف نمو لديكم أزمات وعندكم منع من بعض الأسواق، وأقول هذا صحيح لدينا هبوط في السوق (الفرنسي، الألماني، الإيطالي) لكن لدينا ارتفاع من ماليزيا، وإندونيسيا، والمملكة العربية السعودية، والخليج وغيرها من المناطق والأقاليم، وهذا يعني أن الحراك السياحي ليس مقتصراً على أسواق معينة، وليس لخدمات معينة موجهة.

*مقاطعاً.. يا معالي الوزير أصحاب الفنادق السياحية يشكون والوكالات تشكو من قلة السياح؟
** أقول لك ربما هذا صحيح بالنسبة للفنادق خمسة نجوم وبعض فنادق الأربعة نجوم التي قد تصل فيها نسبة الإيواء إلى 30 أو 40 %، لكن عندي نسبة الإيواء في الفنادق ثلاثة نجوم أو نجمتين مرتفعة إلى أكثر من 60 أو 70 %، وبالتالي أقول أن الحراك السياحي منظومة متكاملة، ينبغي أن لا ننظر إليه على أنه لسوق معين أو جنسية معينة، أو لخدمات معينة والإحصاء نصف السنوي للعام الجاري 2009 يشير إلى أن عدد السياح الوافدين إلى الجمهورية اليمنية من مختلف الجنسيات ارتفع خلال النصف الأول من هذا العام بزيادة قدرها 14 % مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، كما زادت إيرادات القطاع السياحي خلال ذات الفترة لتصل إلى نحو 387 مليون دولار، ونحن هنا نشير إلى أن هذه الإحصائيات طبقاً لمعايير ومؤشرات معمول بها دولياً، الإحصائيات والبيانات والأرقام نحن نستقيها من مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية وتدرج البيانات لكل من حصل على تأشيرة دخول كسائح.

*تعلمون أن السياحة كانت ضمن وزارة الثقافة والسياحة، ثم انفصلت ثم أدمجت وهكذا، هل يعني هذا أنه دليل عدم إدراك السلطة في اليمن لأهمية السياحة؟
** قد لا أتفق معك في عدم الإدراك، بل هناك إدراك لأهمية السياحة، ولكن مبعث الفصل والضم لقطاع السياحة مرة بالبيئة ومرة بالثقافة، ومرة هيئة وأخرى وزارة، قبل أن تستقر في 2006، ربما مرد ذلك لعدم إدراك العوائد المباشرة للقطاع السياحي الذي يمكن أن يثري في ميزان المدفوعات ومدى إسهام القطاع السياحي في الاقتصاد الوطني، وبالتالي كان الهم الأول لنا عند إنشاء الوزارة في 2006 هو تبيان ما يمكن أن يسهم فيه القطاع السياحي في ميزان المدفوعات والناتج القومي المحلي وهذا ما نسعى إليه من خلال إنشاء وحدة البيانات والمعلومات والإحصائيات وإجراء العديد من الدراسات والبحوث الخاصة بإظهار مدى إسهام هذا القطاع، وبالتالي بدأ التناغم يظهر مع قطاع السياحة من قبل العديد من القطاعات التي يرتبط بها وأصبحنا اليوم نتكلم عن قطاع واعد من أفضل القطاعات التي يمكن أن تسهم في بناء الاقتصاد الوطني خاصة وأن اليمن يمتلك مخزوناً تراثياً وثقافياً وتاريخياً وبيئياً يمكنها من أن تكون نقطة جذب سياحي على مستوى العالم.. خلال الفترة الماضية بين ضم وفصل عانى القطاع السياحي الشيء الكثير، حيث عانى من عدم تراكم الخبرات لدى العاملين في القطاع السياحي وعدم وضوح الرؤية في اللوائح والاشتراطات والأنظمة المنظمة للأنشطة السياحية، وعدم مواكبة التشريعات القانونية لمجمل الأنشطة السياحية وهنا بدأنا نتجاوز هذه المرحلة بإدراك من قبل القيادة السياسية لأهمية هذا القطاع، وأنجزنا العديد من الإصلاحات التي تضمن استقرار هذا القطاع مستقبلاً.

*كرقم محدد، إلى أي مدى يمكن أن يسهم القطاع السياحي في رفد خزينة الدولة، أو بمعنى أوضح كم تتوقعون أن تصل عائدات السياحة سنوياً فيما لو كان الوضع طبيعياً؟
** دعني أبيّن لك أولاً أن وزارة السياحة لديها استشعار بالدور الذي يجب أن تلعبه للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة وقناعة الحكومة في جعل السياحة مورداً هاماً من موارد الدخل القومي في إطار خطة شاملة لتنمية القطاع السياحي مع عدم إغفال جانب القطاع الخاص الذي يعد الشريك الأساسي في تنمية هذا القطاع وتنشيطه وأيضاً تنفيذاً لبرنامج فخامة الأخ رئيس الجمهورية والمصفوفة التنفيذية الخاصة بالبرنامج المقرة من مجلس الوزراء.. ثانياً السياحة تلعب دوراً كمرتكز اقتصادي هام ومورد للدخل القومي وبرؤية مستقبلية تهدف إلى خمسة محددات رئيسية:
أولاً: تنشيط السياحة في مختلف المواقع والمناطق السياحية.
ثانياً: تشجيع إقامة المشاريع الاستثمارية السياحية.
ثالثاً: تنويع وتحسين المنتج السياحي.
رابعاً: توفير فرص عمل ودمج المجتمع المحلي في عملية صناعة السياحة.
خامساً وأخيراً: رفع العائدات السياحية وزيادة مساهمتها في الناتج المحلي الذي ذكرته أنت.
ولو أخذنا هذه المحددات لوجدنا أن أبعاد العمل السياحي تشمل البعد الاقتصادي والبعد التنموي والبعد الثقافي والبعد الإعلامي والبعد الاجتماعي والبعد السياسي. ولذلك فإن رفع العائدات السياحية من النقد الأجنبي وزيادة إسهامه في الناتج القومي المحلي يمثل جزءاً من البعد الاقتصادي، وهكذا البعد التنموي في توليد فرص عمل جديدة في مختلف أنحاء الوطن وتنمية مناطق الجذب السياحي، ومثله البعد الثقافي المتمثل في الحفاظ على الموروث التاريخي والثقافي وإحيائه في ذاكرة المواطن اليمني والسائح، فضلاً عن الأبعاد الأخرى كالبعد السياسي المتمثل في التغلب على التأثيرات الدولية والإقليمية والمحلية التي تعيق حركة السياحة في اليمن، أما المحاور الأساسية للعمل السياحي فهي: تطوير المنتج السياحي، والتدريب والتأهيل، التسويق والترويج، والاستثمار وجودة الخدمات، ولكل محور من هذه المحاور آلياته وخططه وبرامجه التي بدأنا تنفيذها.

*كم نفذتم منها؟
** لو أخذنا محور تطوير المنتج السياحي وهو مواكبة متطلبات الأنماط المختلفة للنشاط السياحي وتحقيق القيمة المضافة، بمعنى إبراز أنشطة وبرامج سياحية جديدة، مثل سياحة المغامرات، نحن الآن نشتغل على تحديد المناطق المستهدفة لسياحة المغامرات سواء كانت للقفز المظلي أو الطيران الشراعي، ولدينا مشروع في مسور عمران، ومشروع في الحيمة بمحافظة صنعاء، وآخر في الأهجر، ولدينا مشاريع في السياحة الصحراوية وغيرها.. وحالياً نحاول أن نرسخ مفهوم المهرجانات والمعارض كمنتج سياحي، له جذب سياحي خاص فيه، وهكذا السياحة البيئية، وغيرها من أنواع المنتج السياحي الذي يُبنى أصلاً على قانون السياحة والذي قمنا بتعديله وأقره البرلمان وهو قيد الإصدار من قبل فخامة الأخ الرئيس.. وبالتالي تنبثق مهمة تطوير المنتج السياحي من خلال القانون وخطة التنمية السياحية التي تم إنجازها وأقرها مجلس الوزراء وكذا الاستراتيجية الوطنية للتنمية السياحية والتي ستعرض على المجلس الأعلى للسياحة لإقرارها في الدورة القادمة .

*تتحدث عن سياحة المغامرات والسياحة الصحراوية، بينما لا توجد خدمات سياحية في أماكن الجذب السياحي الموجودة حالياً؟
** سأرد على هذا، ولكن أريد أقول لك أن محور جودة الخدمات وتعني تحقيق التوافق مع المواصفات الدولية للخدمات السياحية، تــم إصدار اللائحة المحددة للمواصفات والمقاييس الخاصة بالخدمات السياحية من قبل مجلس الوزراء، وهنا قد يتساءل البعض: كيف يمكن أن يتم ذلك ونحن لدينا فنادق ومنشآت ذات مستوى تعيس؟، وأقول أنه تم الترخيص لهذه المنشآت في فترات ماضية في ظل عدم وجود لوائح أو مواصفات ومقاييس تحدد الاشتراطات المطلوبة للخوض في الاستثمار السياحي لمختلف أصناف المنتج الخدمي سواء مطاعم أو فنادق وغيرها، ولذلك من ضمن الخدمات التي ستطلق في 2010، تم إعداد كُرّاسة إجراء تصنيف الفنادق السياحية وفق رؤية علمية تعتمد على اللائحة المقرة من مجلس الوزراء، بحيث ترتقي المواصفات والمقاييس للمنتج السياحي إلى المواصفات الدولية.
ما يتعلق بالمحور الاستثماري ويتمثل في زيادة الاستثمار في القطاع السياحي من خلال رؤية واضحة، وهنا أنجزنا خطة التنمية السياحية التي اعتمدت 49 مشروعاً سياحياً منها 5 مشاريع سياحية رائدة في خمس مناطق ساحلية تم إنجاز المخططات التأشيرية لها من قبل الهيئة العامة للتنمية سابقاً، عودة إلى التساؤل حول سياحة المغامرات والسياحة الصحراوية والتي يتطلب الأمر معها خدمات معينة للتخييم وخدمات لوجستية معينة، تم الإنتهاء من وضع الدراسات الخاصة بالمواقع والخدمات المطلوبة فيها وخلال هذا الأسبوع سيتم نشر الإعلانات للمناقصات الخاصة بهذه المواقع .

*هل المشاريع التي ذكرتها في خطة التنمية السياحية سيقوم القطاع الخاص بها أم الحكومة؟
** القطاع الخاص، وزارة السياحة لا تستثمر في قاعدة الخدمات وإنما القطاع الخاص، نحن فقط نضع الخطوط التأشيرية والدراسات والبحوث التي تساعد على اتخاذ القرار في الاستثمار في القطاع السياحي وتدفع في اتجاه تنمية الموارد السياحية وردم فجوة الخدمات وتحسينها .

*بخصوص الترويج السياحي، هل تقتصرون على المنشتات المنشورة في الصحف، ما هو عمل مجلس الترويج السياحي؟
** هذا هو المحور الهام، تم إنجاز استراتيجية التسويق والترويج من قبل شركة أوروبية وتم اعتمادها من مجلس الوزراء مطلع هذا العام، وبدأ التنفيذ فعلاً في الميدان لهذه الاستراتيجية.
الإستراتيجية تتضمن محاور عديدة تضمن ترويج وتسويق المنتج السياحي اليمني، المنشتات المنشورة في الصحف نهدف من خلالها رفع الوعي بالسياحة وليس لها علاقة بالترويج والتسويق السياحي.

*هل ثمة كوادر مؤهلة لتنفيذ الاستراتيجيات والخطط التي تتحدثون عنها ؟
** فيما يخص الكادر بالوزارة ومجلس الترويج نحن نسعى إلى تأهيلها وتدريبها وفقاً للبرنامج المعد لذلك، ناهيك عن الاستعانة بالخبرات الخارجية والاستشاريين والمنظمة العالمية للسياحة تسهم معنا في ذلك وكذا شركات العلاقات العامة المعتمدة في أوروبا تسهم في تنفيذ المحاور المسندة لها، من ضمن محاور استراتيجية التنمية السياحية محور التدريب والتأهيل، لكن للأمانة فهذا هو المحور الذي نعاني منه بشكل أساسي نتيجة عدم وضوح الرؤية لدى وزارة التدريب الفني والمهني التي هي مرتبطة بهذا الجانب، ولكن لدينا الخطة في كيفية دفع القطاع الخاص لتبني مشاريع استثمارية في جانب التدريب والتأهيل السياحي بما يمكنها من إيجاد كادر يمني مؤهل وقادر على إعطاء زخم لهذه العملية.

*هل تعتقد بالفعل أن بالإمكان تحقيق هذه المشاريع ؟
**نعم، لدينا يقين أنه بتعاون الجميع سنصل إلى ما نريد، طبعاً هذا كله سيؤدي في الأخير إلى نمو عدد السياح بشكل عام، ونستهدف في 2015 الوصول إلى أكثر من 2,5 مليون سائح في العام، وإذا تحقق هذا الرقم فإنه يولد أكثر من 20 مليون ليلة سياحية، وبالتالي هذه الليالي السياحية تتطلب قاعدة من الخدمات الفندقية، مطلوب أن نصل في 2015 إلى أكثر من 36,500 غرفة في عموم محافظات الجمهورية بمختلف الدرجات، بينما حالياً لا يتجاوز عدد الغرف الفندقية الـ 23,000 غرفة، معنى هذا أن فجوة كبيرة ينبغي ردمها من خلال الدفع بالاستثمارات السياحية.. من خلال هذه المؤشرات سيصل إسهام القطاع السياحي في نهاية الخطة إلى أكثر من ملياري دولار أميركي في الناتج المحلي، وسيكون هناك إسهام مباشر في دعم خزينة الدولة من خلال الضرائب والرسوم المفروضة على القطاع السياحي نتوقع أن يصل إلى 41 مليار ريال في العام الواحد بحلول 2015، وهو رقم جيد، فضلاً عن ذلك فإن هذه الخطة ستعمل على توليد فرص عمل تصل إلى حوالي 370 ألف فرصة عمل.. والخطة طبعاً موضوعة وفق رؤية الشراكة مع القطاع الخاص، تم الانتهاء من الاستراتيجية الوطنية للتنمية السياحية، وهي معروضة الآن على المجلس الأعلى للسياحة ومجلس الترويج السياحي لإقرارها ومن ثم رفعها إلى الأطر الأعلى.. وهذا لن يتأتى إلا في ظل استقرار وبيئة جاذبة للقطاع السياحي وشراكة وتكامل مع كل الأطراف، القطاع السياحي يتقاطع مع كل الجهات الخارجية، الثقافية، الأوقاف والإرشاد، التعليم والتدريب المهني، التعليم العام، منظمات المجتمع المدني، الإعلام، ويتقاطع مع الخدمات التنموية المرتبطة أيضاً بالأمن، النظافة، البيئة والاستثمار، المواقع السياحية، وحتى مع خدمات البنية الأساسية من طرق، نقل، كهرباء، اتصالات، مياه وصرف صحي، وما لم يكن هناك تناغم من كل هذه المكونات مع القطاع السياحي ستكون هناك إشكالية.

*أشرت إلى مسألة الخطة الاستراتيجية 2015، لكن دعنا نتحدث عن الموجود الآن، المتاحف الأثرية في وضع يرثى له، وهي أماكن جذب سياحي مهم والناس يأتون من أنحاء العالم للاطلاع على حضارات اليمن وتاريخه وآثاره، ما دور الوزارة في هذا الجانب؟
** جميل، أولاً يجب أن يكون معلوماً بأن هناك نوعاً من اللبس لدى البعض بأن وزارة السياحة تشرف على القطاع الأثري والمتاحف، وهذا غير صحيح، فهي اختصاص أحيل لوزارة الثقافة إلى هذه اللحظة، وما زالت هي المعنية بالإشراف والعمل على حماية الآثار وعرضها، ويتمثل دور وزارة السياحة في الاستفادة من مخرجات هذه العملية، من مخرجات عرض الآثار وإظهارها، بالإضافة إلى الترويج للمنتج السياحي اليمني من منظور ثقافي.. يجب أن تتكامل الرؤية بين الثقافة والسياحة، بحيث يقوم كل طرف بأداء مهامه على أكمل وجه.. الإشكاليات القائمة هناك تتعلق بالجوانب المالية، كما فهمته أنا من الأخـوة في الهيئة العامة للآثار والمتاحف أن هناك إشكالية في توفير القدرات المالية التي تمكنهم فعلاً من انتشال وضع المتاحف، وتوظيف المبالغ المحصلة من السياح (كرسوم دخول) التوظيف المثالي بحيث يتم استخدامها لصالح المتاحف ولا تكون إيراداً عاماً، لأن المتحف يعجز عن تنفيذ برامجه كالترميم والحفاظ على الآثار حتى برامج التشغيل من نظافة وأجور إضافية وغيرها.. وعليه يجب أن تتفهم السلطة الملحية والإخوة في وزارة المالية للدور الذي تقدمه المتاحف، ليس فقط للسائح، وإنما للمواطن اليمني كذلك.

*وليس على المدى القريب أليس كذلك؟
** صحيح، أنت تبني ثقافة الإنسان اليمني، وهذا لن يتأتى إلا بتضافر كافة الجهود، ليست القضية قضية مورد عام بقدر ماهو بناء لثقافة الإنسان اليمني يفترض أن توظف الإمكانيات المالية لصالح المتاحف والحفاظ على الآثار وما إلى ذلك – إنها هوية الإنسان اليمني- .

*حادثة الطائرة اليمنية المنكوبة، هل كان لها انعكاسات أو تتوقع أن يكون لها تأثير على السياحة في اليمن؟
** هي لها انعكاسات بالتأكيد، كما قلت سابقاً، لها انعكاسات في بناء الصورة الإيجابية لليمن، وصورة اليمن تتأثر سلباً بمثل هذه الأحداث، وأعتقد أن الأثر الحتمي سيكون بالنسبة للأسواق الأوربية بشكل أساسي، وهناك تفهم لدى الاتحاد الأوربي، واستيعابه للحادث، وعدم التسرع في الإدلاء بتصريحات كما حصل من قبل الجانب الفرنسي لكن الأثر السلبي تحقق، ومعالجة الآثار والحد منها نتيجة الحادث سيتم تجاوزها إن شاء الله بالشراكة مع الخطوط الجوية اليمنية، ونحن نسعى في مجلس الترويج السياحي إلى عمل برنامج خاص بهذه القضية للحد من آثارها السلبية على المنظور القريب والبعيد وكلما ظهرت النتائج سريعاً أمكن العمل على التقليل من حجم الضرر المحتمل على حركة السياحة في اليمن.

*بالعودة إلى مسألة الاختطافات ربما كانت أكبر معضلة أمام السياحة في اليمن، ما حجم الضرر الذي ألحقته بالسياحة ؟
** نحن نقول أن الاختطاف والإرهاب وجهان لعملة واحدة، تظل عمليات الاختطاف والعمليات الإرهابية أكثر مؤثر على سمعة اليمن بشكل عام وليس فقط تأثيرها على السياحة، وإن كان تأثيرها على القطاع السياحي أكبر وأفدح، لأنها جعلت الكل يتخوف من زيارة اليمن، وهو ما جعلنا أمام قضية يجب أن توضع لها حلول، بعضها مرتبط بنا وبعضها مرتبط بالآخرين، كوزارة الداخلية، وزارة العدل “القضاء”، منظمات المجتمع المدني، المجالس المحلية، وحتى بالمواطن هناك ضرورة لـرفع مستوى الوعي لديه، وزارة السياحة تعمل جاهدة لوضع منظومة متكاملة للتعامل مع هذه القضايا.. ومن ذلك إنشاء وحدة إدارة الأزمات السياحية بوزارة السياحة واعتمدت من مجلس الوزراء وهذه تقوم بإدارة الأزمات سواء الأزمات المرتبطة بعمليات الاختطاف أو الإرهاب أو الأزمات العالمية ذات الانتشار الواسع التي تؤثر على حركة السياحة وهذه الوحدة تتعامل مع مختلف الأزمات المؤثرة على القطاع السياحي وتشترك فيها العديد من الجهات كوزارة الداخلية والإعلام والخارجية والأمن القومي والصحة وغيرها، وقد أظهرت هذه الوحدة مهنية عالية في التعامل مع كثير من قضايا الاختطاف أو عمليات الإرهاب التي وقعت خلال عامي 2008، 2009، وقللت من الأضرار إلى درجة كبيرة جداً، بحيث نستطيع أن نتجاوز الأزمة في زمن قياسي، وهذه الوحدة أنشئت بالتعاون مع المنظمة العالمية للسياحة وبخبرات عالمية، كما تم إنشاء وحدة أمن السياحة في إطار وحدات الأمن المركزي وتم اعتمادها من قبل وزارة الداخلية كما أشرنا سابقاً.

*هل هذه غير الشرطة السياحية؟
** نعـم غير الشرطة السياحية، هذه تؤمن المواقع والمناطق وخطوط السير الخاصة بالأفواج السياحية، وتم اعتمادها، والانتهاء من تدريب عناصرها التدريب الإداري من خلال مجلس الترويج السياحي وكيفية التعامل مع الجمهور والأداء المتميز للخدمة، أو التدريب الميداني العسكري من قبل وحدات الأمن المركزي، كذلك تم اعتماد التجهيزات الخاصة بها ونحن الآن في الخطوات النهائية لإطلاقها خلال الأيام القادمة.. وهذه تعد نقطة تحول أساسية في حماية السياح، وهناك خطوة أخرى تمثل تحدياً في سرعة إنجازها وهي إدخال منظمات المجتمع المدني في الفوائد المباشرة للقطاع السياحي، بحيث يشعر المواطن بالفائدة من الحراك السياحي، وهنا نسعى في أكثر من محور أو مشروع لتلمس هذه القضية، فنحن لدينا مثلاً مشروع في منطقة حليل بمحافظة إب، وآخر في الطويلة بالمحويت، وثالث في كوكبان شبام، ورابع في مأرب لتأهيل مرشدين سياحيين، وقد انتهينا من تدريب 400 سائق سيارة من مختلف الوكالات السياحية وعندنا مشروع مع منظمات مجتمع مدني وجمعيات مهنية لتأهيل وتدريب أكثر من 150 شخصاً في المرحلة القادمة من أبناء محافظات الجوف وشبوة ومأرب في مجال قيادة السيارات والإرشاد المبسط وغير ذلك، وهناك مشاريع لدعم أصحاب المهن الحرفية من خلال شراء منتجاتهم وتطويرها ومشاركتهم في المعارض الدولية، ومشاريع لدعم الجمعيات الحرفية والنسوية المرتبطة بالمجتمع، خذ على سبيل المثال مهرجان صيف صنعاء حالياً ستجد هناك أكثر من 13 جمعية مشاركة بشكل كامل قمنا باعتماد مشاركتها في المهرجان وفي هذا الإطار أيضاً تنظم العديد من المسابقات لأفضل منتج سياحي حرفي وغيرها من المناشط المختلفة المرتبطة بالمجتمع المدني الذي يمكن أن يكون هو صف الدفاع الأول ضد أي أعمال إرهابية أو أعمال تمس بالقطاع السياحي.

*لكن أشرت سابقاً إلى وجود إشكالية لدى المجتمع تتعلق بمستوى الوعي بأهمية النشاط السياحي؟
** لذلك نحن نعمل جاهدين على رفع مستوى الوعي بأهمية القطاع السياحي لدى كافة شرائح المجتمع، وهنا نستهدف الطالب في المدرسة، ورجل الشرطة والأمن، وخطباء المساجد، والإعلام، وكل من له علاقة بالإسهام في مستوى رفع الوعي السياحي.. كما تقوم الوزارة بالحملات التوعوية والإرشادية بهذا الصدد، وهناك العديد من قرارات مجلس الوزراء صدرت لإلزام وزارة الأوقاف والإرشاد لحث الخطباء على أن يتناولوا السياحة من منظور ديني.

*تعرفون أننا في مجتمع محافظ، بينما السياحة أصلاً ارتبطت في أذهان الناس بالمجون والترف والفساد الأخلاقي، كيف تتعاملون مع هذه القضية؟
** نعم، ولذلك نحن نعمل على توعية الناس بأن السياحة ليست سياحة المجون والترف، وليست السياحة المضرة وإنما نقصد السياحة الواعية المدركة لأهمية دورها في تنمية المجتمع في الحفاظ على البيئة، وعلى ثقافة المجتمع، ونشر الوعي، ومن خلال الحملات التوعوية نوضح للمجتمع أن السياحة التي رسمت في أذهان بعض الأطراف ليست هي السياحة التي نريدها، اليوم اليمن بمنأى عن السياحة الترفيهية المفتوحة، أو السياحة التي يشاع بأنها سياحة مجون، اليمن تنطلق من رؤيتها للسياحة لتقديم سياحة ذات بعد ثقافي عربي وإسلامي صرف له من المقومات التي تتفرد بها اليمن عن غيرها من دول العالم من طبيعة خلابة وطقس جميل وإنسان مضياف محب للسلام ومحب للآخر، ثقافة متنوعة، وإرث حضاري جميل، بما يشكل منظومة متناغمة لتقديم سياحة ليست السياحة التي ينظر إليها بعض الأطراف من منظور ضيق صغير.

* بالعودة إلى مسألة الاختطافات لجأت الحكومة مع تزايد عمليات الخطف إلى تكليف قوات أمنية بمرافقة مواكب سيارات السياح أثناء تنقلاتهم من منطقة إلى أخرى، وهي خطوة اعتبرها عدد من ممثلي الشركات السياحية بمثابة قيود مكبلة لحركة السياح وخانقة لنفسيتهم, علاوة على ذلك فإن تلك الإجراءات لم تجد نفعاً في مواجهة عمليات اختطاف بل أدت إلى مضاعفة الأعباء المالية التي تكبدتها الشركات والوكالات السياحية التي تحملت تكلفة المصاريف الإضافية على الأطقم العسكرية، هل ستوجدون حلاً لهذه الإشكالية؟
** أولاً هذه كانت في السابق، أما الآن فلم تعد توجد أفواج سياحية تسير مع أطقم أو مرافقين أمنيين، فقد تم إلغاء المرافقة الأمنية اللصيقة بالسواح، لكن خطة تأمين السياح في المناطق التي حددتها وزارة الداخلية تتم وفقاً لبرنامج تم وضعه من قبل وحدة تأمين السياح ووحدة الأمن المركزي، بحيث يكون هناك تأمين لحركة تنقلات الأفواج السياحية بطريقة منظمة وسلسة.
وبالمناسبة هناك نقطة مهمة جداً في هذا الإطار، حيث تم اعتماد إدخال نظام التتبع الآلي للمركبات السياحية، وأصبحت كل الشركات ملزمة بتركيب هذا النظام، وهناك قدرة وسلاسة على تتبع المركبة في كل المواقع التي تتحرك فيها على الخارطة في الجمهورية اليمنية وتعتبر اليمن تقريباً من أوائل الدول السياحية التي تستخدم هذا النظام.

*بهذا النظام نستطيع نعرف الآن مكان الألمان المختطفين في صعدة، مثلاً؟
** لو كان الجهاز مثبتاً وهم لا يزالون بسياراتهم فإنه مؤكد إمكانية تحديد نقطة توقفها وتحركاتها ومسارها.. دعني أعود إلى التأكيد على أن المرافقة الأمنية اللصيقة للسياح تم إلغاؤها كاملة، وبالنسبة للمواقع المعينة وفقاً لخطة الأمن ولضمان سلامة السياح يجب أن نتقيد بهذه الدواعي الأمنية، واليمن ليست الوحيدة التي تطبقها، ولو ذهبت الآن إلى الأقصر في مصر أو غيرها ستجد هناك وحدات أمنية، وإذا كان عندنا الطقم ربما تجد هناك المدرعة، لكن كيف ينظر إلى هذه القضية تجد هناك سلاسة في التعامل معها، هناك تناغم بين كافة الأطراف سواء الشرطة السياحية، وحدة أمن السياح، وكالات السياحة والسفر، وزارة السياحة، وزارة الداخلية في إطار منظومة متكاملة وفقاً لرؤية واضحة، وبحيث لا يكون هناك ضرر على السائح والوكالات ولا يكون هناك أيضاً تساهل في قضايا تأمين حركة السياح.

*هل تواجهون عراقيل من داخل الحكومة نفسها، من خلال بعض الجهات مثلاً؟
** أنا قلت قبل قليل في حديثي عن آلية عمل وزارة السياحة بأن هناك تقاطعاً وتشابكاً كبيراً جداً، والعملية لن تكون بالسهولة التي يتوقعها الإنسان لبناء قطاع سياحي، أهمية العمل بروح الفريق الواحد والتنسيق المشترك مع كل القطاعات في اليمن والإدراك جيداً بأنه لا يمكن الاعتماد فقط على السياحة لوحدها لتأسيس صناعة سياحية متطورة، وإنما هناك الأمن والنظافة والبيئة والاستثمار تهيئة المواقع السياحية، والطرق، والنقل، والخارجية، وسفاراتنا، والتعليم، والتدريب و..و..و …. كما ذكرت كل القطاعات تتقاطع مع النشاط السياحي، ولذلك خطة التنمية السياحية واستراتيجية السياحة وضعت الأسس الكفيلة لإيجاد علاقة تكاملية بين كل الأطراف.. ما أتمناه فقط هو أن تتعامل هذه الجهات بنوع من الوعي والإدراك لأهمية السياحة، وما يمكن أن تقدمه السياحة في المستقبل، للأسف حتى بعض المسؤولين لا يزال يتصور أن السائح فقط هو السائح الأوروبي أو الغربي، فيتساءل أين السياح، لماذا لم نعد نجدهم؟ والحقيقة أنه ليس هذا هو السائح فقط، بل هناك الشرائح العديدة والكثيرة والمتشعبة.
ونحن نروج للسياحة في عدة أسواق ولمنتجات سياحية مختلفة، فمثلاً هناك مزارات دينية، لدينا الكم الهائل من المدارس العلمية القديمة والمساجد الأثرية ما يمكننا من جذب حراك سياحي لهذه الشريحة المعينة، ومثلها السياحة البيئية، ولها طالبوها، لدينا محميات ومواقع سياحية بيئية، وهكذا سياحة المغامرات كما ذكرت سابقاً، والـسياحة الثقافية، وسياحة المهرجانات، والمعارض، والمؤتمرات، وغيرها الكثير، بعضها بدأنا نقحمها في منتجنا السياحي، وبعضها تحتاج إلى بنية تحتية سياحية خاصة بها، يجب أن يعي كل أطراف المجتمع من مسؤولين ومواطنين أن السياحة متنفس كبير للاقتصاد الوطني، وميزة السياحة أنها تسهم بشكل سريع في تنمية المجتمع بطريقة ذاتية وبوتيرة عالية .

*دعنا نكون واضحين معالي الوزير هذا لا يكون إلا بالشراكة مع القطاع الخاص، لكن الوضع لا يبدو أنه يشجع على ذلك أصلاً؟
** الشراكة مع القطاع الخاص يجب أن نعطيها أهميتها من خلال تبسيط الإجراءات وتسهيلها وإعطاء الامتيازات والحوافز حتى يقوم القطاع الخاص بدوره في هذه العملية التي يجب أن تكون هناك منظومة متكاملة يسهم فيها جميع الأطراف، ما لم فإن صناعة السياحة لن تكون بالسهولة التي يتوقعها الآخرون.

*قلت أن السائح ليس فقط صاحب العيون الزرقاء، اليمن كانت أيضاً وجهة سياحية للسياح الخليجيين، لكن للأسف ظهرت بالمناسبة ظواهر سلبية، مثل الزواج السياحي، ما هي المبادرات التي قدمتها الوزارة في هذا الجانب للحفاظ على السائح من دون الإضرار بمصالح المجتمع وقيمه؟
** بالنسبة لما يسمى بالزواج السياحي فأنا ضد هذه التسمية، لأنه لا يوجد ما يسمى بالزواج السياحي، الزواج شرعاً هو رابط اجتماعي يبنى على الرضا والقبول بين طرفي العملية وفق قواعد شرعية حددتها ضوابط الشريعة الإسلامية، وبالتالي لا أجد لهذه التسمية من معنى رغم أن وسائل الإعلام المحلية ربما روجت لهذه التسمية أكثر من الإعلام الخارجي، وقد أوضحت لكثير من الوسائل الإعلامية بأن هذه الظاهرة لا توجد في اليمن، وأن الزواج زواج شرعي سليم لا يوجد فيه شائبة، وإنما قد يكون هناك خلل في العلاقة التي يتم بناء الزواج عليها نتيجة جشع الآباء مثلاً، أو جهل ذوي العلاقة وبالذات الفتيات، لكنها تظل ظاهرة ضئيلة صغيرة، والدراسات والبحوث التي جرت خلال الفترة الماضية كشفت بأن الأرقام صغيرة ولا يعتد بها، وإذا كنا نتكلم عن أكثر من 600 ألف زائر من دول الجوار، فكم عدد الزيجات من هذا النوع، ندعو في وزارة السياحة إلى أهمية التأكد من قضايا توثيق العقود الشرعية للزواج وفقاً لما حددته وزارة العدل، وما أكدته وزارة العدل في هذه القضية تضمن حقوق الأطراف الداخلة في هذا الرابط، لكنها كظاهرة لا تعد ظاهرة ولا يمكن أن نسلم بأنها ظاهرة، والإحصائيات والبيانات التي تظهر من وقت لآخر تشوبها شائبة لسبب بسيط جداً، هو أننا لو رجعنا إلى بعض الدراسات التي أجريت على مائة فتاة مثلاً لتحديد النسبة من خلال 600 ألف زائر على سبيل المثال فإنها لا تتجاوز (0.016) بالمائة، لكن هذا لا يعني أن نتساهل فيه، لأن له الأثر الاجتماعي السيء، ولدينا ملف في الوزارة لمتابعة هذه القضية والدراسات حولها. ويجب أن يعي المجتمع خطورة عدم توثيق العقود، وعدم اتباع الوسائل الشرعية والقانونية في عقد الزواج وتبيان خطورة جشع بعض ضعفاء النفوس من أولياء أمور الفتيات.. بالنسبة لنا في وزارة السياحة وهذا هو الأهم نحن لا نستهدف شرائح الشباب من دول الخليج، وإنما نستهدف العوائل والأسر الخليجية التي تشترك معنا في العادات والتقاليد والسلوك الحميد، والتي تنظر إلى اليمن كبلد سياحي يتمتع بجاذبية مواتية للسياحة العائلية بشكل أساسي.
اليوم الشباب الذي يبحث عن السياحة المفتوحة أو الماجنة أو سياحة الترف لن تكون اليمن هي المرتع لهذه السياحة ولن نستطيع أن ننافس بكل ما تعنيه الكلمة، وبالتالي أتمنى على الإعلام أن لا يضخم هذه القضية أو لا يعطيها أكبر من حجمها وأن تؤطر في إطارها الاجتماعي، بحيث تحال كل القضايا المرتبطة بهذه المسألة وتأخذ مجراها القانوني.

*أنت أشرت إلى مسالة قانون السياحة الجديد، لماذا هذا القانون ولماذا التعديلات التي أجريت عليه، بمعنى هل الإشكالية في التشريعات القانونية أو في التطبيق؟
** كما قلت لك سابقاً، المنتج السياحي منتج متعدد ومتجدد، يجب أن تشرع الأنظمة والقوانين للتعامل مع كل منتج سياحي، ومع قاعدة الخدمات، ومع قضايا البيئة وقضايا التنمية السياحية، يجب أن يكون القانون مستوعباً ووعاء يحتوي على كل المنظومة التشريعية الخاصة بالقطاع السياحي، كان لدينا إشكالية مثلاً في نظام اقتسام الوقت، وبالتالي احتوى القانون الجديد على جملة من التشريعات الكفيلة بتقديم المنتج السياحي على أحدث المستويات العالمية، وقد استغرق إعداد القانون سلسلة من الإجراءات والجهد والوقت لدراسته ومناقشته في مختلف المؤسسات الدستورية في البلاد، بحيث نقدم من خلاله تشريعاً للسياحة ليس لليوم أو للغد ، وإنما للمستقبل المنظور، وبالتالي فإنه بمجرد صدور القانون سينبثق عنه مجموعة من اللوائح التشريعية والمنظمة للعمل السياحي، وهنا نكون قد وضعنا اللبنات الأساسية للبناء المؤسسي السليم للقطاع السياحي

http://www.alghadyem.net/index.php?action=showDetails&id=3204

Standard