من كتاباتي

السلطة المحلية … ما بعد الحرب

بسم الله الرحمن الرحيم

يعد ملف السلطة المحلية بعد انهاء الصراع واحلال السلام من اهم الملفات التي يجب الوقوف امامها، خاصة ان عب مرحلة إعادة البناء والتعافي الاقتصادي يتطلب المرونة العالية في تمكين السلطة المحلية من أداء دورها في البناء والتنمية كنوع من الاسهام المباشر في بناء السلام في اليمن.

كما ان المتغيرات التي حدثت في اليمن منذ بدا الصراع السياسي وما افرزه الانقلاب على الدولة من تفكك لمعظم مؤسسات الدولة يتطلب القفز على الواقع المعاش ومنح مساحة واسعة للسلطة المحلية لأداء دورها في إعادة بناء الدولة، والتأسيس لحكم محلي متوازن تدمج فيه السلطات التقليدية المحلية في إطار السلطة المحلية واسعة الصلاحيات والمهام، مع ضرورة استيعاب المتغيرات التي حدثت اثناء الصراع السياسي والتي في مقدمتها التعامل بحنكه سياسية وافق واسع مع مختلف التيارات السياسية والقوى التي ظهرت على الساحة، خاصة بعد ما حدث من انهيار لمنظومة قيم المجتمع في بعض محافظات الجمهورية وشيوع السلوكيات العنصرية المتطرفة الخارجة عن القانون، حيث اثرت تلكم السلوكيات الشاذة بشكل مباشر في تماسك النسيج الاجتماعي واحدثت اثر سلبي على السلطة المحلية حد من قدرة العاملين فيها على خلق حاضنة شعبية تساعد السلطة المحلية من أداء دورها بفعالية.

ان العمل على تضييق مساحة الخلاف والاختلاف بين مكونات المجتمع في اطار المساحة الجغرافية الواحدة وإشاعة روح التسامح والقبول بالأخر سوف يضمن للسلطة المحلية نوعاً من الاستقرار، وسيسهم في إشاعة الامن، وسيساعد على جذب رؤوس الأموال المحلية للاستثمار في مشاريع البنية التحتية.

كما ان وضع الأسس الضامنة لاستقرار السلطة المحلية يتطلب من الجميع تقديم التنازلات للولوج لمرحلة الاستقرار السياسي في عموم اليمن، وان وضع لبنات بناء مرحلة التعافي الاقتصادي هو اهم مراحل الاستقرار السياسي، الا ان ذلك يتطلب من الجميع التعامل مع الواقع الاقتصادي الذي يتسم بمحدودية الموارد والذي تتسع فيه مساحته رقعة الفقر بنوع من العقلانية المتسمة بالموضوعية، بعيداً عن النزق السياسي وعن الحسابات الحزبية الضيقة، وبعيداً عن السعي لتحقيق تطلعات بعض دول الإقليم في تحقيق غايات معينة على حساب الوطن.

الكل يدرك أن السلطة المحلية تأثرت وستتأثر بشكل كبير في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب، وان التأثير القوى والمباشر لمختلف القوى السياسية سيتشكل بشكل قوي في المرحلة التالية لتحقيق السلام في اليمن، حيث ستعمل بعض القوي السياسية على استعاضت خسائرها السياسية نتيجة التنازلات السياسية التي قدمتها لتحقيق السلام وتقليص مكاسبها على المستوى المركزي، الى الضغط في اتجاه الحصول على امتيازات خاصة في إطار السلطة المحلية، مما يؤسس لواقع جديد تفرضه القوى السياسية على السلطة المحلية.

ان المتتبع لتاريخ الصراع في اليمن ما بعد 1962 وحتى يومنا هذا يجد ان كل الاتفاقيات والقرارات المتعلقة بأنهاء الصراع السياسي بين مختلف القوى المتصارعة في اليمن قد استبعد كل ممثلي السلطة المحلية او بعبارة ادق قد استبعد المؤثرين المحليين في إدارة دفة إعادة الاعمار وإصلاح البنية التحتية الرئيسية في المديريات او المحافظات، ومرد ذلك هو ضعف أجهزة السلطة المحلية المتعاقبة في مختلف المحافظات والمديريات، بالإضافة مركزية القرار ومركزية التنفيذ لخطط التنمية، و تداخل العديد من الهيئات والمؤسسات في نطاق السلطة المحلية ، اضف الى ذلك الذهنية السلطوية التي خلقت تشريعات محكومة برغبة في خلق مركزية شديدة للسلطة، وذلك من خلال وضع كل الصلاحيات المهمة والمؤثرة بيد الحكومة المركزية والأجهزة التنفيذية التابعة لها بدلاً من السلطة المحلية، بالإضافة الى عشوائية التقسيم الإداري للمحافظات والمديريات والذي لم يرعى حجم المساحة الى السكان مما أعاق تحقيق التنمية المحلية في معظم المحافظات مع غياب التقسيم الإداري العادل فيما بين مستويات السلطة المحلية في اطار المحافظة الواحدة.

ليس بخافي ان القدرات البشرية لدى السلطة المحلية محدودة للغاية، وان جميع السلطات المحلية في عموم محافظات الجمهورية سيئة الإعداد محدودة الموارد، وان تدهور الأداء قد انعكس في معظم المحليات خاصة اثناء غياب مؤسسات الدولة المركزية نتيجة الحرب.

ولتجنب الإخفاق في تقديم الخدمات الاساسية في معظم المحافظات كان اتجاه السلطات المحلية بشكل مباشر وغير مباشر لمنح مساحة من الحركة للمنظمات غير الحكومية و منظمات المجتمع المدني، فلعبت تلكم المنظمات دور محوري في سد عجز السلطة المحلية خاصة وان قدرة المنظمات على توفير الموارد من خلال منظمات المجتمع الدولي قد مكنها من إيجاد مساحة واسعة للحركة و تقديم الخدمات نيابة عن السلطة المحلية في معظم المديريات وفي مختلف الحافظات، وهنا يجب الإشارة الى ان دور للمنظمات وان كان إيجابي من ناحية الا انه احدث نوعاً من الاتكالية وولد حالة من الحنق الشعبي على السلطة المركزية والمحلية، بالإضافة الى ان  تحقيق المنافع المشتركة فيما بين بعض منظمات المجتمع المدني المحلية  والمنظمات الإقليمية والدولية قد شكل جزءً اساسياً من اقتصاد الحرب في اليمن.

على الرغم من ان السلطات المحلية هي من تتحمل عب التعامل مع الواقع على الأرض وهي من تتحمل مسؤولية بسط الامن والاستقرار، وإعادة الخدمات الأساسية الى سابق عهدها كحد أدني، بالإضافة الى المسؤولية الإنسانية والأخلاقية للتعامل مع ما خلفته الحرب من كوارث إنسانية لعل من أبرزها التعامل مع ملف اسر الشهداء والمعاقين والقضايا الاجتماعية المرتبطة بهم، الا ان كل ذلك لا يشفع لها للعب الدور المحوري والاساسي في إعادة الاعمار وفي تسيير دفة الإدارة على مستوي المحافظات والمديريات نتيجة محدودية القدرات.

وهنا لابد من وضع ملف محدودية القدرات البشرية لدى السلطة المحلية على الطاولة كأولوية أساسية، والعمل على إعداد وتطوير القدرات البشرية في مختلف مفاصل السلطة المحلية، وتحديد حجم ونوعية القدرات البشرية التي يجب توفرها مع التأكيد على أهمية بناء وتطوير القدرات البشرية للقيادات الإدارية والموظفين على المستوى المركزي وعلى مستوى الأقاليم وعلى مستوى المحافظات أو (الولايات)، وعلى مستوى المديريات.

و نجد ان إطلاق مشروع استراتيجي لبناء القدرات البشرية للسلطة المحلية على مستوى الأقاليم، وعلى مستوى المحافظات، وعلى مستوى المديريات من الأهمية بمكان، وحتى تستطيع السلطة المحلية من أداء دورها في التخطيط الاستراتيجي واعداد البرامج التشاركية على المستوى الإقليم، وتقديم الدعم الفني والاستشاري لمحافظات الإقليم، وصولاً لتقديم الدعم والاسناد للمديريات، وحتى تصبح الكوادر البشرية في السلطة المحلية قادرة على إدارة الموارد، و على إدارة المنظومة الإدارية بكفاءة عالية، وعلى جمع وتحليل البيانات وإدارة أنظمة وقواعد البيانات، وهندسة وتصميم و إدارات المشاريع التنموية والخدمية ومراقبة التنفيذ على مستوى الإقليم والمحافظة والمديرية.

مع اهمية تأهيل الكوادر البشرية التأهيل النوعي لتغدوا قادرة على اعداد التشريعات، واعداد الأنظمة واللوائح وادلة الإجراءات لإدارة الموارد البشرية وإعادة توزيع القوى العاملة على مستوي الأقاليم والمحافظات والمديريات، ولتصبح تلك الكوادر قادرة على تقديم الدعم الفني والاستشاري للمحافظات لإعداد الخطط التنموية السنوية، ووضع الثقل على السلطة المحلية في إدارة مرحلة ما بعد انهاء الحرب، ومنح السلطة المحلية المساحة المناسبة لإدارة المرحلة الانتقالية.

والله ولى التوفيق،،،

نبيل حسن الفقيه
20/1/2020 م

Standard
من كتاباتي

اليمن … السلام الواجب

بسم الله الرحمن الرحيم

مضت على الحرب في اليمن خمسة اعوام، ودخلت الازمة عامها السادس ولا امل يلوح في الأفق لانقشاع الغمة، فمع استمرار حالة الا استقرار في اليمن تتفاقم الحالة الإنسانية وترتفع التداعيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في اليمن مما ينذر بوقوع كارثة كبيرة لليمن لا يمكن ان تتجاوزها لعقود من الزمن.

لقد وضعت المنظمات الإنسانية اليمن في صدارة تقاريرها حيث وصفت الازمة في اليمن بانها اسوأ ازمة إنسانية في العصر الحديث، فقد أصبح أكثر من 60٪ من السكان في اليمن يعتمدون على المساعدات الإنسانية واصبح ان اكثر من 18 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة ،وارتفع عدد من يعانون من انعدام الامن الغذائي الى أكثر من 20 مليون شخص، بالإضافة الى ان هناك ما يفوق الـ 9 ملايين من الأطفال والنساء يعانون من سوء التغذية الحادة … علاوة على ذلك فان هناك ما يفوق الـ17 مليون شخص في اليمن يعانون من صعوبة الحصول على المياه الصالحة للشرب، ومع ارتفاع معدل الإصابة بوباء الكوليرا وغيرها من الأوبئة الى اكثر من مليون شخص فان احتياج السكان للرعاية الصحية الأساسية قد ارتفع ليصل الى ما دون الــ19 مليون يمني، اضف الى ذلك تعذر انتظام  4.5  مليون طفل في دراستهم نتيجة انهيار منظومة التعليم.

ان كل تلك الأرقام المخيفة والصادمة تضع الجميع امام مسؤولياتهم الدينية والأخلاقية والإنسانية، وأصبح الكل مطالب بالوقوف امام التحديات التي تعصف بالوطن … فقد دُمرت البنية التحتية، وانهار الاقتصاد وانهارت مختلف القطاعات الخدمية، وتفاقم الوضع الإنساني، واضمحلت كل مقومات الدولة خاصة بعد ان تشتتت المؤسسات فيما بين الأطراف السياسية، وزاد من حدة الصراع شيوع ثقافة الكراهية والعنف في أوساط اليمنيين، وارتفاع مستوى الكراهية، وتبني مختلف الأطراف الدعوات الطائفية والمذهبية والقبلية والمناطقية والعنصرية و اللجوء للعنف لفرض القناعات المذهبية أو السياسية، مما أدى الى تفكك النسيج الاجتماعي، واتسعت مساحة المستفيدين من الوضع القائم في اليمن، حيث طفى على السطح مجموعة من المنتفعين في الداخل والخارج شكلوا مجتمعين ما يعرف بـتجار “اقتصاد الحرب“، وأضحى تشابك وتقاطع المصالح فيما بين تجار الحرب في اليمن واضح للجميع.

لكل ذلك هل آن الأوان للنظر بموضوعية للحرب في اليمن من اعلى نقطة حتى ندرك فداحة المشهد الذي بتنا عليه ؟؟؟، وهل أدرك الجميع ان تحقيق أي انتصار عسكري لأي طرف بات في حكم المستحيل؟؟؟ وهل وصل الفرقاء السياسيين الى قناعة انه لا يمكن تحقيق الاهداف السياسية لأي طرف من خلال الحرب لاعتبارات جيوسياسية إقليمية ودولية ؟؟؟، وهل بات من الضروري ان ينظر المحيط الإقليمي والدولي للحالة اليمنية من منظور انساني واخلاقي فيسعوا مع اليمنيين نحو السلام.

لقد فقد اليمنيين الثقة بالأطراف السياسية المحلية والإقليمية والدولية وبالتزاماتهم نحو تحقيق السلام والاستقرار في اليمن، إلا أن الجميع بات يدرك ان هناك مساحة من الأمل يمكن ان تتسع لتحقيق السلام وذلك من خلال تقديم الفرقاء السياسيين للتنازلات المتبادلة وفق الثوابت الوطنية المبنية على النظام الجمهوري والوحدة الوطنية، وعلى أسس من العدالة والمساواة والحرية، والديمقراطية، والتداول السلمي للسلطة والقبول بالآخر، معتمدين على الرافعة الدينية والأخلاقية والإنسانية التي تدفع بالجميع لتبني مشروع السلام العادل الذي يضع الجميع امام الدستور والقانون على قدم المساواة، السلام الذي يؤسس للمشاركة السياسية لكل الأطراف دونما تمييز مناطقي او مذهبي او حزبي او فئوي، السلام الذي يحقق المواطنة المتساوية والعادلة امام القانون، السلام الذي تصان فيه الحقوق المادية والمعنوية لكل المواطنين فلا يهدر حق أي مواطن أو يراق دمه او يذل او يهان من أحد ، السلام الذي يبث روح التسامح ويرسخ لثقافة وأدب الاختلاف والقبول بالأخر، السلام الذي يدعم المجتمع والدولة للتصدي للدعوات الطائفية والمذهبية والقبلية والمناطقية والعنصرية، السلام الذي يعزز من الشراكة واللحمة الوطنية.

،،والله من وراء القصد،،

نبيل حسن الفقيه
عمّان، ديسمبر 2019م

Standard
من كتاباتي

الاعلام …المسؤولية الاخلاقية والوطنية

بسم الله الرحمن الرحيم

يلعب الاعلام في عصرنا الحاضر دوراً محورياً في بناء الفكر المجتمعي وتكوين الرأي الجماهيري والتأثير في اهتماماته وتوجهاته الفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية، كما يعد الاعلام المصدر الأساسي الذي يستمد منه الناس الاخبار والمعلومات وهذا هو الذي اكسب الاعلام أهميته في عملية تطور المجتمعات.

لذا فان تسخير الإمكانيات والقدرات الإعلامية للم الشمل وتضييق مساحة الاختلاف والخلاف بين المكونات السياسية اليمنية وتعزيز الجبهة الداخلية يعد مدخل لإعادة الاستقرار لليمن الأرض والانسان.

و في ضوء المتغيرات التي تمر بها بلادنا والتجاذبات الجيوسياسية التي اكتوت بها اليمن، فان التعامل الواعي من قبل مختلف وسائل الاعلام الرسمية والحزبية مع القضايا المصيرية يجب ان يكون هو الهدف الأساسي لكل العاملين في المجال الاعلامي، وان يعمل الجميع على صون الهوية اليمنية وتعزيز قيم الانتماء وإبراز الصورة الصحيحة لليمن الحضارة والانسان والدفاع عن قضايا اليمن الجوهرية امام الرأي العام الإقليمي والدولي، و التوظيف المسؤول لحرية الراي والتعبير لصالح حماية مصالح الشعب اليمني، والرفع من شان اليمن دونما تمييز مناطقي او طائفي او قبلي او مذهبي والسعي لنشر حقيقة الواقع اليمني امام الإعلام الخارجي بكل شفافية ومصداقية دونما تزييف للحقائق ودونما تحيز لصالح افراد او فئات او جماعات محلية او خارجية.

ان الخصومات السياسية التي أحدثها الفرقاء السياسيين تتطلب من الجميع بذل الجهد المضاعف للحد من الاثار الكارثية التي سببتها تلكم الخصومات، والاسهام في معالجتها واجتثاث الظواهر العنصرية المناطقية والمذهبية من جذورها والقضاء على مسبباتها وتضييق مساحة الخصومة السياسية، وبث روح الانتماء للوطن اليمني، والحفاظ على الوحدة الوطنية ونشر ثقافة احترام الراي والراي الاخر، وتضييق مساحة الاختلاف وبث روح التسامح، وعدم التمييز بين فئات المجتمع.

ما لا شك فيه ان تجنب نشر أو عرض أو إذاعة أو بث ما من شأنه الإساءة إلى أي مواطن يمني سيعزز من روح الانتماء للوطن اليمني الكبير، كما ان تحري المصداقية وتقديم الحقيقة امام الرأي العام، والابتعاد عن الفبركات الإعلامية المؤججة للصراع السياسي المفضي للنزاع المسلح، وتوخي الدقة والموضوعية وعدم التجريح وتجنب التحقير والقدح والذم، والاعتماد على النقد البناء، وعدم إطلاق الأحكام المسبقة، كل ذلك سيسهم في تضييق حدة الاختلاف فيما بين مختلف الفرقاء السياسيين، وسُتغلب المصلحة العليا لليمن على المصالح الحزبية او المصالح الشخصية الانية الضيقة بأذن الله.

تقتضي امانة المسؤولية منا جميعاً العمل على تعميق الوعي لدى كل أبناء المجتمع اليمني بأهمية الالتزام بالقيم الدينية والأخلاقية، وتبني روح الإسلام المبني على الوسطية والاعتدال، وتعميق روح التسامح والتآخي ونبذ كل دعاوى التعصب المذهبي أو الطائفي أو المناطقي، والامتناع عن عرض أو نشر التغريدات أو إذاعة أية مواد يمكن أن تشكل تحريضاً على التطرف أو العنف أو الإرهاب، والامتناع عن نشر كل ما من شأنه التشجيع على نشر الأفكار المناطقية، والتوقف عن بث روح الكراهية في أوساط الشباب على وجه الخصوص لما لذلك من اثر إيجابي في إيقاف نزيف الدم اليمني.

والله من وراء القصد،،،

نبيل حسن الفقيه

عمان – 22/سبتمبر 2019م

Standard
من كتاباتي

اليمن ما بعد قمم مكة

بسم الله الرحمن الرحيم

عندما أعلنت الولايات المتحدة إرسال حاملة طائراتها وقاذفات بي 52 لمنطقة الخليج وعززت من منظومة بطاريات باتريوت في منطقة الخليج، ضن الجميع ان المواجهة الإيرانية الامريكية أصبحت قاب قوسين او أدنى … الا ان واقع الحال يشير الى غير ذلك، فالكل يستبعد المواجهة الامريكية الإيرانية.

اذ تشير كل المعطيات والدلائل ان الولايات المتحدة الامريكية ستعمد على استغلال هذا الحشد العسكرية لتصعيد حالة العداء بين ايران والسعودية بهدف مزيد من الابتزاز وبهدف تحويل حالة العداء العربي الإسلامي لسرائيل لحالة من العداء الجامع العربي الإسلامي الإسرائيلي لإيران، فتحقق بذلك الولايات المتحدة اكثر من هدف في ان واحد … ولعل أول تلكم الأهداف هو إيصال العرب لحالة من التوافق مع الكيان الإسرائيلي، والتسليم بما يمكن ان تقدمة الولايات المتحدة من صفقة لأنهاء حالة الصراع العربي الإسرائيلي… وثانيها الاستمرار في ابتزاز المملكة العربية السعودية ودول الخليج من خلال الاستمرار في استخدام الفزاعة الإيرانية خاصة وان إدارة الرئيس ترامب هي من تقف وراء التصعيد الأخير في المنطقة وقد مهدت لذلك بالانسحاب من الاتفاق النووي، ليخرج بعدها الرئيس ترامب امام عدسات الاعلام متشدق بالقول الفج ( نحن من يحمي السعودية من ايران ).

كما ان اظهار إيران لنواياها “الثورية” واستخدام أذرعها في المنطقة العربية ( الحوثيين / الحشد الشعبي / حزب الله) لتهديد إمدادات النفط العالمي وسعيها للسيطرة على مضيقي هرمز وباب المندب والتضييق على الملاحة العالمية وامدادات الطاقة، واستمرارها في زعزعة الامن العالمي من خلال نقضها لتعهداتها المتعلقة بالاتفاق النووي والاستمرار في تطوير الصواريخ بعيدة المدى والتي تهدد مختلف دول الإقليم، كل ذلك قد ساعد على تسويق الأفكار الامريكية ومهد الطريق لتنفيذ مخطط الابتزاز وتحويل البوصلة في اتجاه القبول بإسرائيل كشريك للعرب.

وحتى يثبت الرئيس ترامب ذلك كان الزاماً على الإدارة الامريكية رفع حدة التوتر في منطقة الخليج وتضخيم الفزاعة الايران والقيام بالخطوات العملية في هذا الاتجاه ومن ذلك القيام بالحشد العسكري الأمريكي وإظهار جدية المواجهة فيما بين إيران وامريكا… في حين ان الواقع يشير الى غير ذلك خاصة وان الدبلوماسية قد تحركت وفتحت الأبواب الخلفية لتقوم بدورها في خفض التصعيد.

لقد اظهرت كل التقارير الدولية أن المواجهة بين الولايات المتحدة الامريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية ليس وارداً … بل ان القتال بينهم يعد في حكم المستحيل، وما تأكيد الرئيس ترامب من انه لا توجد خطة لدى أمريكا لإرسال حشود عسكرية ضخمة إلى الخليج وان ما تم حشده في وقت مبكر يفي بالغرض الا دليل قاطع على ان لا مواجهة ستتم بين أمريكا وايران، وان جل ما يمكن ان يتم هي المواجهة الغير مباشرة من خلال الاذرع التي يمتلكها كل طرف في المنطقة.

اذاً فالإمر يتعلق برمته في المقام الأول باستمرار الابتزاز الامريكي للسعودية والخليج، وفي المقام الثاني وضع الإيرانيين كأعداء للامة العربية والإسلامية بدلاً عن الإسرائيليين، وصولاً لتسويق الإسرائيليين كصدقاء يمكن الوثوق بهم في مواجهة إيران.

من هنا كان انطلاق السعودية نحو محاولة إيجاد المخرج الذي يخفف عنها الضغط الأمريكي وحالة الابتزاز المتنامية هذا من ناحية، ومن ناحية اخري إيصال رسالة مفادها ان قضية القدس والقضية الفلسطينية برمتها تعد من القضايا التي يشترك في تقرير مصيرها العالمين العربي والإسلامي ووفقاً للقرارات الدولية، مع يقيني ان كل ذلك يندرج في اطار التمهيد الأول للألية التي سيتم التعامل من خلالها مع صفقة القرن القادمة.

لقد وضعت المملكة العربية السعودية ثقلها على العالمين العربي والإسلامي في قمم مكة الأخيرة في مشهد قلما يتكرر، ووضعت السعودية ملف التهديد الإيراني للأمن العالمي والامن الإقليمي كهدف جامع للأمتين العربية والإسلامية ولها الحق في ذلك، وجعلت موضوع امن المقدسات الإسلامية وتامين خطوط نقل الطاقة كأولوية قصوي تنطلق منه السعودية لتامين امنها القومي وهذا ما يجعل ملف الحرب مع الحوثيين في اليمن يأخذ منحنى جديد قوامه في الأصل تامين الأمن القومي السعودي المفضي لتامين المصالح العالمية في المنطقة.

لذا نجد ان حرب اليمن لم تعد حرب لاستعادة الشرعية ومناصرة الرئيس هادي، حيث تحول الامر برمته بعد قمم مكة في اتجاه حصول المملكة العربية السعودية على تفويض اممي يمكنها من الحفاظ على الامن القومي السعودي وصولاً لتامين الامن العالمي من الطاقة، وستعمل المملكة العربية السعودية بعد قمم مكة بخطوات يمكن ان توصف بانها خطوات مشروعة للحفاظ على امنها القومي تحت مبدأ الدفاع عن النفس وهذا المبدأ لا يحتاج لتفويض او للإقرار من مجلس الامن.

كما ان القيادة السعودية لم تعد تحتاج للغطاء القانوني لتدخلها في الحرب في اليمن … وبعبارة اخري لقد تجاوزت السعودية الرئيس هادي في قمم مكة وحصلت من خلال الاجماع على حق السعودية في حماية امنها القومي على غطاء تتجاوز به الرئيس هادي وسيصبح قرار الحرب وقرار السلم كامل بيد السعودية.

وحتى لا تجد الشرعية نفسها بمعزل عن كل ما يحيط بها في ملف المواجهة مع الحوثيين ان حرباً او سلماً نجد ان الأهمية تقتضي القيام بأهم خطوة في اتجاه استعادة الشرعية لمكانتها وتتمثل هذه الخطوة بإعادة هندسة العلاقة بين التحالف والشرعية وكخطوة في اتجاه دمج كل الكيانات المسلحة التي أنشأت خارج وزارتي الداخلية والدفاع في إطار الوزارتين وتحديد أسس العلاقة فيما بين كل أطراف التحالف واليمن، وتحديد دور دولة الامارات العربية في إدارة المناطق الخاضعة للشرعية، وضرورة وضع حد لمستوي التدخل في إدارة المرافق الخدمية خاصة المطارات والموانئ والمنشئات النفطية وإعادتها جميعها للسيادة اليمنية، وإعادة ترتيب الوضع العسكرية بكل جدية في سبيل انهاء الانقلاب الحوثي واستعادة الشرعية للدولة وفقاً للمرجعيات المعتمدة القرارات الدولية ومخرجات الحوار الوطني، والمبادرة الخليجية.

والله ولي التوفيق …

نبيل حسن الفقيه
1 يونيو 2019م

Standard
من كتاباتي

التجريف الطائفي للدولة ومؤسساتها

بسم الله الرحمن الرحيم

كيف يمكن ان ينظر لعملية اصلاح الخلل في قطاع الخدمة المدنية بعد ان بسطت جماعة الحوثي الانقلابية نفوذها وسيطرتها على كافة مفاصل الدولة؟
وكيف يمكن معالجة الكارثة التي حلت بجهاز الخدمة المدنية جراء عملية الاحلال التي تمت لألاف الموظفين؟
وهل يمكن ان تتم تسوية سياسية يتم معها دمج المجاميع المسلحة ضمن قوام الخدمة العامة؟

جملة من الأسئلة يجب الوقوف امامها ووضع النقاط على الحروف في ملف يعد من اهم وأخطر الملفات التي تنذر بانهيار أي تسوية سياسية قد تتم لإحلال السلام في اليمن.

عمدت المليشيات الحوثية على تجريف كل مؤسسات الدولة ودمرت الهياكل العامة للمؤسسات، من خلال إصدار قرارات التعيين المخالفة للقانون في جميع مرافق الدولة المدنية والعسكرية والأمنية، واحلال عناصرها في مختلف المناصب والوظائف الحكومية، ناهيك عن تعيين المشرفين الحوثيين في مختلف المؤسسات الحكومية والمحافظات، لتتحكم تلكم العناصر بكامل مفاصل المؤسسات.
على ان فرض جيش من الموظفين داخل المؤسسات عبر ما يوصف بسياسة “الإحلال” القائمة على استبدال موظفي الدولة بآخرين من المحسوبين على الجماعة والعمل على استقطاب من لا يدينون بالولاء لهم مستغلين العوز الاقتصادي الذي يعاني منه الموظفين قد صاحبته عملية تسريح وفصل منظمة تمت لكل من لا يدين بالولاء الطائفي للمليشيات، علاوة على تغييب اللوائح والأنظمة والقوانين واغراق مختلف أجهزة الدولة بالمحسوبين على جماعة الحوثي، سواء في المؤسسة المدنية أو العسكرية، بالإضافة الى استحداث قطاعات وإدارات في جُل هيكل الوزارات وإجراء التعيينات في القطاعات والادارات المنشأة والغاء بعض الإدارات القائمة بالمخالفة للقوانين واللوائح النافذ.

لقد شرعت الجماعة الحوثية الى اقصاء الكوادر القيادية والوسطي غير الموالين لها من كل مؤسسات الدولة الواقعة تحت سيطرتها، عقب استيلائها على السلطة، وسعى الحوثيين لتدمير الجهاز الإداري للدولة الذي يعاني في الأساس من اختلالات ما قبل 21 من سبتمبر 2014 ، وعمدوا إلى تغيير واقع المشهد الإداري من خلال عملية التجريف الطائفي للدولة ومؤسساتها، والتلاعب والعبث بقاعدة البيانات و استغلال البصمة البيولوجية الذي توقف العمل به منذ استيلاء الحوثيين على السلطة وتفجير الحرب، فكان ان تم تنزيل أكثر من 40 الف موظف من موظفي الخدمة المدنية الرسميين واستبدالهم بالمواليين للمليشيات، مما ولد حالة من الحنق المجتمعي على المليشيات، خاصة وان هذا التجريف قد صاحبه عملية اقصاء وترهيب وتشريد وقتل واعتقال.

يسود اعتقاد خاطئ لدى الحوثيين من ان استمرارهم في المشهد السياسي يحكمه تحكمهم بمختلف أجهزة الدولة، وان زرع عناصرهم في مختلف مفاصل مؤسسات الدولة يعد الضامن لبقائهم أكبر فترة ممكنة في الحكم ويضمن لهم مكانة في دوائر السلطة في حال تم التوصل في وقت لاحق إلى تسوية وحلٍّ سياسي، ولعمري ان هذا الوهم لن يكون تنفيذه ممكن او متاح خاصة وان عملية استبدال موظفي الدولة بآخرين من المحسوبين على جماعة الحوثي قد تم وفق أُفق طائفي ضيق لا يستند الى أية مرجعية قانونية ولا يمكن التسليم به، فقد مثل اختراق وتجريف مؤسسات الدولة كارثة إدارية لن يكون التعافي منها بالأمر الهين فمعضم من يتم تعيينهم يفتقدوا للمؤهلات العلمية والي الخبرة العملية التي تؤهلهم لإدارة مؤسسات الدولة بشقيها المدني والعسكري.

وللتاريخ أجد ان من الواجب علينا كذلك ان لا نغفل ما صاحب عملية استعادة الشرعية من اختلالات في التعيين والتجاوزات التي تمت هنا وهناك، وان نقف امام هذا الملف بكل جدية وان نضع ملامح لمعالجة الاختلال الذي تم في الجهاز الإداري للدولة، حيث سَيُشرع في حصر كل قرارات التعيين في وحدات الخدمة العامة المركزية والمحلية الصادرة خلال الفترة 2014-2019م، ومراجعة التعيينات في ضوء شروط شغل الوظائف العامة المنصوص عليها في تشريعات الخدمة المدنية، وتبيان مدى توافقها مع بيانات المعينين ووضع التوصيات الكفيلة بتصحيح الاختلالات.

ولعل من الأهمية ان نشير هنا الى ان أحد التحديات في هذا الملف تتمثل في الكيفية التي يمكن معها التعامل مع العبث الحوثي بقطاع الخدمة المدنية ووضع المعالجات الكفيلة بإعادة ترتيب قطاع الخدمة المدنية، لأداء مهامه الأساسية في إدارة مرافق الدولة المدنية والعسكرية، والتعامل مع قضايا التوظيف وفقا لتشريعات الخدمة المدنية بعيداً عن أي تجاذبات سياسية، مع الالتزام بالهيكل الوظيفي المعتمد لمختلف قطاعات الخدمة المدنية، وتطبيق الدستور والقانون على من تم إضافتهم من الموظفين المدنيين من خارج سلطة الدولة الشرعية، وإيجاد دعم سياسي متواصل للحد من تضارب السياسات ذات الصلة بالوظيفة العامة وفقاً لمخرجات الحوار الوطني، و سرعة وضع استراتيجية دقيقة وواضحة لتأهيل وإعادة إدماج المجاميع المسلحة بدلا من إضافة عشرات الالف منهم الى قوائم مرتبات القطاع العام ( اذ سيوضع هذا الامر ان عاجلاً او اجلاً عند وضع الحل السياسي)، حيث ان تحميل أي معالجات تتصل بالوظيفة العامة ستؤدي إلى مضاعفة التضخم في الكلفة الإجمالية للأجور، والذي من المتوقع ان تتجاوز مخصصاته الـ 80٪ من الناتج الإجمالي المحلي.

يجب ان نعترف اننا امام تحدي كبير وكارثه لا يمكن ان تتجاوزها اليمن بالسهولة التي يتوقعها البعض، خاصة وان حجم وتكاليف تضخم القطاع العام ما بعد الحرب سيكون كبير وكبير جداً، وان عدم الجدية في وضع ملامح الحل من الان سيعيق أي تسوية سياسية، وبالتالي أجد ان دق ناقوس الخطر من اوجب الواجبات، بحيث يوضع هذا الملف امام صُناع القرار بالشكل الذي يجعل منه أحد اهم الملفات لما له من اثر في الاستقرار المؤسسي من ناحية، ومن ناحية اخرى لما له من اثر في التخفيف من الأعباء المالية على موارد الدولة على المدى الطويل.

والله ولي التوفيق …
نبيل حسن الفقيه
27 مايو 2019م

Standard
من كتاباتي

المبعوث ومرحلة…اللا حرب واللا سلام

بسم الله الرحمن الرحيم

يدرك المبعوث الاممي السيد مارتن جريفت ان مهمة أي مبعوث اممي إلى اليمن تقوم في الاساس على تنفيذ قرارات مجلس الامن المتعلقة بالأزمة اليمنية.

مما لا شك فيه ان المجتمع الدولي الذي انتدب المبعوث الاممي لليمن قد وضع الإطار السياسي لتحرك المبعوث وفقاً للقرارات الاممية والتي في مجملها تنصب في إطار إنهاء الانقلاب وتنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصِّلة ومنها القرار 2216… الا ان المبعوث وضع مسار خاص به وجعل من عملية الانتقاء بين مسارات الحل هي لعبته المفضلة فأوصل اليمن بهذه الطريقة الى طريق مسدود، خاصة وان المسارات التي انتهجها والاتجاهات التي حددها قد أوصلت اليمن الى مرحلة اللا حرب واللا سلام.

لقد تعمد المبعوث الاممي السيد مارتن جريفت تغييب جذر القضية اليمنية التي انتدب من أجلها، وأضحت جل تحركاته السياسية لا تتفق ولا تتناسب مع مهمته الاساسية، فعبث بالملف اليمني وتحولت مهمته عن مسارها الطبيعي وتتداخل مع مبادراته الذاتية والتي ليس لها أي علاقة بتطبيق قرارات مجلس الأمن… فبدا وكان المبعوث يعمل على اعادة صياغة مهمته بالشكل الذي يحقق أهدافه الشخصية ويحافظ على موقعه وان على حساب حياة الملايين من اليمنيين.

الكل يدرك ان السيد جريفت قد عمد وبشكل مستمر على تفريغ قرارات مجلس الأمن من محتواها، ووضع مسارات مبنيه على قناعاته الشخصية دونما اكتراث لحجم الكارثة التي اوصلنا اليها … فقد شرعن للانقلابيين خطواتهم، ودعم كل تحركاتهم، وسعى بكل جد واجتهاد لإنقاذهم في كل منعطف كان ينذر بزوالهم، وتماهى معهم وسار في طريق فرضهم على الشعب اليمني مخالفاً بذلك إرادة المجتمع اليمني الرافض لهم فعمق من جذور الأزمة.

من هنا نجد ان الأهمية تقتضي من المجتمع الدولي سرعة الوقوف امام التداعيات التي وصلنا اليها في اليمن نتيجة عبث المبعوث الاممي، ووضع أسس لتصحيح مسار المبعوث وبما يتفق والإطار السياسي المحدد له كمبعوث اممي محايد، مع الإيمان بأهمية التعامل مع الواقع من خلال تبنى الروية المفضية لتنفيذ القرارات الاممية المنهية للانقلاب وليس من خلال السير في اتجاه تحقيق الرغبات الشخصية والبحث عن تحقيق النجاح الوهمي الزائف،

نعم… لقد حان الوقت ليترجل مارتن جريفت عن فرسه، ولقد حان الوقت كذلك لقيامه بكل شجاعة (ان وجد في نفسه الشجاعة) لإعلان فشلة وانسحابه من المشهد اليمني بماء الوجه، والتحلي بالمصداقية من خلال إطلاع مجلس الأمن بحقيقة الوضع بكل شفافية ووضوح دونما مواربة أو إغفال لحقيقة ان تعثر مهمته كانت نتيجة للحسابات الضيقة والخاطئة ونتيجة طبيعية لرفض الانقلابيين الانصياع للقرارات الأممية كما جاءت وليس كما كان يرغب في تسويقها، وان يؤمن السيد جريفت ان الرحلات المكوكية واللقاءات العبثية ورش ذرات الملح هنا وهناك لأصباغ ما ينتج عنه بصبغة التوافق عليها قد انكشفت و أدت به وبفريقه الى الفشل.

والله ولي التوفيق..

نبيل حسن الفقيه
19 مايو 2018

Standard
من كتاباتي

تساؤلات مشروعة… علاقة الحكومة اليمنية بالتحالف العربي

بسم الله الرحمن الرحيم

شهد اليمن ومنذ ان أعلن التحالف العربي بقادة المملكة العربية السعودية تدخله في اليمن لمناصرة الشرعية حالة من الشد والجذب في علاقة اليمن بدولة الامارات العربية المتحدة أحد الشركاء الأساسيين في التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، وظهرت حالة من الجمود في العلاقة بين اليمن والامارات، ما لبثت ان تحولت الى حالة من العداء الواضح لكل ما له صلة بالحكومة اليمنية فنعكس كل ذلك على الأوضاع على الأرض وبشكل أضر باليمن الأرض والانسان.

وهنا نضع السؤال المشروع امام القيادة الرشيدة في المملكة العربية السعودية … هل ان الأوان للوقوف امام هذا التداعي في العلاقة بين اليمن ودولة الامارات … وهل بات من الضروري القيام بخطوات حاسمة لاعادة ترتيب الملف اليمني لدى مختلف دوائر صنع القرار داخلياً وخارجياً؟ …ثم هل من الممكن للأشقاء في المملكة ان ينظروا من اعلى نقطة في الصورة ليدركوا أهمية وضع رؤية تتفق ومصالح كل الشركاء وفق معايير الندية والشراكة والمشاركة بعيداً عن التهميش والاقصاء والتفرد في اتخاذ القرارات المصيرية المرتبطة باليمن والوعي والادراك ان أضعاف الشرعية ما هو في الأصل الا أضعاف للتحالف وللمملكة؟ … خاصة وان الشرعية اليمنية هي من منحت الغطاء القانوني للتحالف العربي للدخول في الحرب ضد إيران والحوثيين في اليمن، وان ممارسة الضغوط المباشرة وغير المباشرة على الحكومة الشرعية من قبل دولة الامارات لإرغامها على اتباع سياسة معينة قد ولد حالة من الحنق الشعبي والرفض المجتمعي لكل ما له صلة بالتحالف بشكل عام وبالأمارات بشكل خاص مما ينذر بانفراط العقد.

يجب ان يعي قادة التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن ان سعي الامارات الحثيث لتشكيل التكوينات المسلحة في مختلف المحافظات اليمنية خارج ادارة المؤسسات الرسمية الشرعية وانتشار المليشيات و المجاميع المسلحة الغير نظامية وممارسة العنف ضد كل من يخالف اهواء القادة الإماراتيين في عدن قد خلق حالة من العداء الظاهر والخفي لكل ما له صلة بالتحالف بشكل عام وبدولة الامارات بشكل خاص ، و ان استعمال المليشيات المسلحة التابعة للإمارات لفرض سياسة الامر الواقع في المحافظات المحررة سوف يؤدي الي إطالة امد الازمة اليمنية.

اخيراً … هل بدأ واضحاً للأخوة في المملكة العربية السعودية انه ومع كل يوم يمر على الحرب في اليمن يخسر التحالف ويكسب الحوثيين وبعبارة ادق وأوضح واشمل تخسر المملكة العربية السعودية وتكسب دولة الامارات خاصة وان الامارات لا يوجد لديها ما يمكن ان تخسره في هذه الحرب (أبناءها ليسوا في مواقع المواجهة على الحدود بين اليمن والسعودية، ومصالحها مع إيران في أوج قوتها اقتصادياً … اذ تشير الإحصائيات المقدمة من الجمارك الإيرانية ان دولة الإمارات العربية المتحدة هي أكثر دول العالم تصديرا إلى إيران، وتشكل صادراتها إلى إيران ما يقارب 29 ٪ من إجمالي مستوردات إيران وان حجم التبادلات التجارية السنوية بين الإمارات وإيران أكثر من 100 مليار دولار)… بالتالي فهي تمعن في اغراق الاخ الأكبر لها في مستنقع الحرب في اليمن على امل أضعاف هذا الاخ فيكون لها القدرة على تنصيب نفسها جندي الامن في المنطقة؟

ثم هل بات يشعر الأخوة في المملكة بأهمية خلق التوازن في العلاقة فيما بين اليمن وشركاءها في التحالف العربي بحيث ينظر للعلاقة بين اليمن والسعودية من منظور الشراكة لا من منظور التابع والمتبوع، وان من مكنتهم قيادة المملكة من حق الحل والربط قد أمعنوا في التقليل من احترام القيادة الشرعية لليمن؟ … وهل يدرك الاشقاء في التحالف ان كل الحروب التي دارت رحاها في المنطقة في العصر الحديث لم تحسم بشكل كامل دونما تدخل حاسم للسياسة، وان منطق الحق سيسود ان عاجلاً او اجلاً ، وان كل الأزمات التي عصفت بالدول لم تستمر الى ما لا نهاية … و انه وبعد كل صراع سيجلس اخوة الامس أعداء اليوم معاً على طاولة واحدة وسيخلع كل واحداً منهم زيه العسكري ويرتدي زيه المدني الأنيق، ويخرج كل طرف فيتحدث للإعلام عن الروابط الأخوية التي يجب ان تتم فيما بينهم البين وعن عمق العلاقة و يكيل كل طرف للطرف الآخر كل عبارات الثناء والاطراء ويحمل الجميع غصون الزيتون وكان شيء لم يكن… وحينها سيفتح الداخل والخارج الدفاتر وتراجع الحسابات ويحدد الخاسر من الرابح ويعض على يدية العاجز ويندم النادم حين لا ينفع الندم.

والله من وراء القصد ،،،

نبيل حسن الفقيه
21 مارس 2019م

Standard
من كتاباتي

إقتصاد الحرب في اليمن

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة:     

يعد الاقتصاد الموازي، او ما يعرف باقتصاد الحرب أحد أسباب الرئيسية لاستمرار الحرب، لذا نجد ان امر انهاء الحرب والولوج للسلام لن يحسم الا من خلال إيلاء الملف الاقتصادي الأهمية القصوى، حيث يمثل الملف الاقتصادي الطريق التي من خلاله يمكن استعادة الدولة.

بالتالي كيف يمكن التعامل مع ملف اقتصاد الحرب في اليمن؟

وما هو المطلوب عمله للحد من التدابير والإجراءات التي اتخذتها جماعة الحوثي في سبيل تعويض نقص الموارد المالية لتغطية جبهاتها العسكرية؟

فكما هو معلوم فإن اقتصاد الحرب قد تشكل في اليمن مع بداية الحرب عام 2015 … حيث بدأت جماعة الحوثي في اتخاذ سلسلة من الإجراءات الاقتصادية المختلفة لتعزيز اقتصادها مستهدفة تدمير الاقتصاد النظامي، ومع هذا التدمير نماء السوق غير النظامي ونمت السوق السوداء وازدهرت معتمدة على التهريب، والابتزاز، والسلب والنهب المنظم، والعنف المتعمد ضد المدنيين من قبل المقاتلين لاكتساب السيطرة على الأصول المربحة، واستغلال حاجة السكان لمصدر الدخل، اذ أصبحت الأولوية لجل سكان اليمن تتمثل في تأمين المواد الأساسية كالوقود والغذاء والدواء.

يَتّسم اقتصاد الحرب باللامركزية، لذا كان الاتجاه لدى الحوثيين لتنفيذ سياسية “اللامركزية الاقتصادية”، وقد شُرع في تطبيق اللامركزية الاقتصادية بعد سيطرة الحوثيين على مفاصل الدولة ودخول البلد في دوامة الحرب لتعويض النقص في الموارد ولتغطية جبهاتهم العسكرية، وبعد ان تم استنزاف الاحتياطي النقدي، وتوقف تصدير النفط والغاز، وتوقفت المنح والمساعدات الدولية، وغادر رأس المال الوطني و الشركات الاستثمارية اليمن، والتوقف عن دفع مرتبات موظفي الدولة، وصولًا الى إعادة النظر في القوانين الضريبية واستحداث منافذ جمركية جديدة ونقاط تفتيش على الطرق، مروراً بحملات جمع التبرعات الشعبية لصالح ما اصطلح على تسميته “بالمجهود الحربي” وفتح سوق سوداء للمشتقات النفطية، فكان ان توزعت الأدوار بين القيادات الحوثية للسيطرة على اقتصاد الحرب.

الإتاوات والضرائب

كان للتبلد الإداري واللامبالاة التي أصابت العاملين في مختلف المنافذ الحدودية ونقاط التفتيش الدور الأكبر لخلق بيئة جاذبه لتجارة واسعة تعتمد على تهريب مختلف السلع والبضائع، اذ يمكن نقل مختلف السلع عبر المدن المختلفة في اليمن دون اخضاع تلك السلع لقانون الضرائب والجمارك، خاصة مع تفشي ظاهرة تقديم الرشوة للمسؤولين على نقاط التفتيش والمعابر التجارية وانتشار الفساد في عموم دوائر الخدمات في اليمن شماله وجنوبه على حداً سواء، مما اوجد حالة من الاستقرار للسوق السوداء.

وجدت الكثير من الجماعات المسلحة والميليشيات العاملة خارج سيطرة الحكومة الشرعية ضالتها في اكتساب دخلها الخاص وذلك من خلال فرض الاتاوات والضرائب الغير قانونية على التجارة، وكنتيجة طبيعية لهذه الممارسات انتشر المسلحين التابعين لمختلف الاطراف على مختلف الطرق بشكل أكبر من أي وقت مضى، وذلك لجني الإتاوات المختلفة مما أدى الى ارتفاع قيمة السلع بأكثر من 50٪.

وتقدر المتحصلات الضريبية التي استولت عليها الجماعة الحوثية عام 2018م من كبار المكلفين مبلغ يفوق الـ 500 مليار ريال، بالإضافة الى تحصيلهم بانتظام لمبالغ مالية لا تقل عن 400 مليار ريال من شركات الاتصالات وشركات التبغ في شكل رسوم وضرائب، ولتعد تلكم الإيرادات مصدر أساسي من مصادر اقتصاد الحرب.

لذا نجد ان ازدهار اقتصاد الحرب في اليمن وتنامى وتشابك أصحاب المصالح سيعزز من فرضية استمرار الحرب.

المضاربة في المشتقات النفطية

مَثَّلَ قرار تعويم أسعار المشتقات النفطية الذي اتخذه الحوثيون بعد انقلابهم على السلطة في يوليو 2015 أهمية عالية، خاصة مع نمو الكيانات الاقتصادية الموازية الداعمة للسوق السوداء، حيث سمح القرار للقطاع الخاص باستيراد المشتقات النفطية وبيعها بالسوق المحليّة بسعر البورصة العالمية، بعد أن كان استيراد المشتقات النفطية وتوفيرها للسوق المحلية مقتصراً على شركة النفط اليمنية الحكومية وفقاً للقانون، وهو الأمر الذي مكن شركات القطاع الخاص لاسيما الشركات الجديدة التي أنشأتها الجماعة من استيراد النفط وبيعه إلى شركة النفط الحكومية وتوزيعها للسوق، وبالتالي جني أرباح طائلة عاد ريعها لاقتصاد جماعة الحوثي وتموين الجبهات العسكرية والحرب، اذ تشير التقارير الى أن الحوثيون قد أنشأوا منذ استيلائهم على السلطة نحو 52 شركة نفطية جديدة لاستيراد الوقود، وجميعها مملوكة لقيادات في الجماعة وموالين لها، ولعل أبرز تلك الشركات ما وضعه تقرير الأمم المتحدة تحت المجهر والتي أظهرت تقاطع مصالح تلك الشركات التابعة للحوثيين مع مصالح بعض الشركات الإماراتية التي يفترض انها ضد التوجهات الحوثية.

الاتجار بمادة الغاز المنزلي

تشهد العاصمة اليمنية صنعاء، أزمة خانقة في مادة الغاز المنزلي (غاز الطهي)، أزمة أثقلت كاهل اليمنيين بأعباء إضافية، مع تلاشي السوق النظامية في مقابل انتشار السوق السوداء وتلاعب التجّار، اذ سيطر الحوثيين في صنعاء والمناطق الواقعة تحت سيطرتهم على مادة الغاز المنزلي فانتعشت السوق السوداء بشكل كبير، فوصل سعر أسطوانة الغاز الواحدة (20) لتر إلى 10 آلاف ريال يمني، في حين ان القيمة الفعلية وفقاَ لبيانات شركة صافر (الشركة المسؤولة عن انتاج الغاز المنزلي في اليمن) تصل لمبلغ 1200 ريال يمني فقط، مما اوجد فارق الكبير بين السعر الرسمي وسعر البيع للمواطن، ليمثل ذلك دخل غير منظور للجماعة الحوثية.

تجارة الغوث الإنساني

مما لا شك فيه ان النمط الاقتصادي الذي تولد من اتون الحرب والمعتمد جزء منه على نشاط المنظمات الإنسانية، قد خلق نمط من الاعتماد المتبادل بين مجموعة من المنتفعين ذوي السيولة النقدية العالية الذين اثروا بشكل سريع والذي يمكن ان يطلق عليهم (محدثي النعمة) وبين بعض المنظمات الإنسانية، خاصة مع زيادة اعتماد معظم السكان على التدفقات المالية المرتبطة بنشاط وعمل المنظمات، وبروز شرائح ارتبطت مصالحها باستمرار الحرب في اليمن، وان إيقاف الحرب وعودة النازحين الي قراهم ومدنهم يعتبر نكسة اقتصادية لعدد كبير من المستفيدين الذين اعتمدوا بشكل شبه كلي على ريع تجارة الغوث الإنساني والخدمات المرتبطة بها، حيث تمت تغذية هذا الاتجاه من قبل المنظمات الدولية واستثمرت عامل هشاشة الدولة وغياب مؤسسات الدولة الفاعلة وضعف البنية الاقتصادية المحلية للترويج لتحركاتها بغطاء انساني  لتتعاظم فاتورة الغوث الإنساني والخدمات المرتبطة بها، فتهيأت الارضيّة الملائمة لنمو تجارة الغوث الإنساني المرتبطة باقتصاد الحرب في المناطق المستهدفة وتقاطعت مع مصالح (محدثي النعمة) والذين سعوا لتوسيع نشاطهم في مختلف المجالات الاقتصادية (النفط والغاز/ الصيرفة/ المواد الغذائية/ الادوية).

كما ان ارتفع مستوى اهتمام المجتمع الدولي بالوضع الإنساني في اليمن لاسيما مع التقارير المتصاعدة حول الاوضاع الإنسانية التي تعيشها اليمن، كان له الأثر في تصنيف اليمن ضمن أكثر الدول التي تتعرض لمجاعة إنسانية في العالم، حيث قدر مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية(OCHA) مقدار التمويل الإنساني المقدم لليمن لعام 2018 بأكثر من ثلاثة مليار دولار، فكان ان خُلقت البيئة الحاضنة للفساد وممارسة الضغوط والاختلاس من قبل الجماعات المسلحة بما فيهم الحوثيين، ولا يمكن اغفال التقارير المتعددة التي تتحدث عن نهب المساعدات الإنسانية من قبل جماعة الحوثي وتسخيرها لمصلحة اقتصاد حربها، وليس ببعيد تقرير المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة الذي أشار فيه الي قيام قادة تابعين لجماعة الحوثي بالاستيلاء على المعونات التابعة للأمم المتحدة بما فيها المواد الغذائية الأساسية، حيث يتم بيع هذه المساعدات للتجار الذين بدورهم يقومون برفع الأسعار وبيعها بدلاً من ذهابها للمستحقين.

ومع نمو وازدهار سوق (محدثي النعمة) كان لابد لهم من توسيع تدابيرهم للتحايل على تحويل الأموال وتبييضها، فكان اتجاههم لفتح حسابات متعددة بأسماء مختلفة بهدف استخدم تلك الحسابات في ايداع المتحصلات الايرادية الناتجة عن عمليات التجارة غير الشرعية التي يقوم بها النظام الحوثي في صنعاء، وكذا إيداع الأصول التي سحبت من البنك المركزي او من المصارف والبنوك.

لقد أثر اقتصاد الحرب بشكل مباشر على نمط الحياة في معظم المدن اليمنية خاصة في مدن صنعاء و عدن ومارب من عدة زوايا مع ظهور مجموعة المنتفعين (محدثي النعمة)، وذلك كنتيجة طبيعية لضمور القطاع الاقتصادي وانحسار الاستثمار في كل القطاعات الاقتصادية فكان اتجاه (محدثي النعمة) لاستثمار أموالهم و مدخراتهم في المجال العقاري بشكل خاص مما أدى الي ارتفاع اسعار العقارات وأسعار الإيجارات الي أضعاف مضاعفة، و كان من نتائج ارتفاع اسعار العقارات وأسعار الإيجارات نزوح اعداد كبيرة من الشرائح الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة الدخل الي أطراف المدن الرئيسية، خاصة في المدن الأساسية (صنعاء / عدن /مارب)، لعدم قدرتهم علي تحمل كلفة السكن الباهظة الثمن، ناهيك عن الاستثمار في الوقود و الغذاء والدواء بشكل أدى الى مضاعفة معاناة اليمنيين في شتى مجالات الحياة، فانتشرت مع كل ذلك بؤر الاستغلال الاقتصادي كنتيجة طبيعة لنسبة التمازج والخليط السكاني الناتج عن النزوح السكاني، وتحول اعداد لا يُستهان بها من اليمنيين الى مجموعات بائسه تتعايش مع الواقع الاقتصادي بنوع من الاستسلام، وبشكل ممنهج و مدروس غذته المنظمات الإنسانية من خلال التدفقات النقدية الكبيرة التي تحصل عليها من المانحين والتي يتم توظيف جزء بسيط منه لصالح المعوزين من اليمنيين في مختلف المدن، فكان ان توسع نشاط المنظمات الإنسانية تحت مظلة النشاط الإنساني وتوسعت رقعة الفقر وتجففت منابع الإنتاج الاقتصادي بكافة صوره المباشرة وغير المباشرة.

الاتجار في المواد الغذائية للقوات المسلحة

يعد ملف الاتجار في المواد الغذائية والتلاعب في حصص الإعاشة الخاصة بأفراد القوات المسلحة من اهم الملفات التي يمكن ان تحد من اقتصاد الحرب، فقد وجد ان توفير الغذاء للقوات المسلحة قد ولد معه مصالح متشابكة فيما بين المنتفعين من التجار الذين يتم التعاقد معهم وبعض القادة العسكريين في مختلف القطاعات العسكرية، ومهد ذلك لنمو اقتصاد الحرب.

التوصيات…

معالجة ظاهرة جباية الإتاوات والضرائب غير القانونية:

للحد من جباية الإتاوات والرسوم والضرائب غير القانونية في مختلف النقاط الأمنية وفي منافذ المدن داخل المحافظات اليمنية، وللحد من ارتفاع قيمة السلع، والتخفيف من معاناة الموطنين وتجفيف منبع من منابع اقتصاد الحرب يجب ان يتم:

  1. الضغط على الحوثيين والجماعات المسلحة التابعة للأمارات لإزالة النقاط الأمنية غير الضرورية وتسهيل مرور البضائع والسلع بين المدن اليمنية الحاملة للوثائق الجمركية.
  2. قيام مكتب تنسیق الشؤون الإنسانية OCHA في الیمن، وكذا المبعوث الاممي بدورهم في الضغط على الحوثيين لإلغاء الميناء الجمركي في محافظة ذمار وكذا النقاط الجمركية الغير قانونية التي استحدثوها في مختلف المحافظات.
  3. التزام الحوثيين بالقوانين الجمركية النافذة، واعتماد وثائق التخليص الجمركي الصادرة من المنافذ الجمركية اليمنية الرسمية.
  4. تمكين التجار من فتح الاعتمادات عبر البنوك العاملة في صنعاء لاستيراد المواد الغذائية الأساسية اعتماداً على الالية المعتمدة بالبنك المركزي (بمركزه الرئيسي في عدن)، وإزالة المنع الذي وضعه الحوثيين وبما يضمن وصول السلع لمختلف السكان بالأسعار المناسبة.

في جانب الحد من المضاربة في المشتقات النفطية:

دعم ومساندة الحكومة اليمنية لقرارها القاضي بتنظيم سوق الاتجار بالمشتقات النفطية وفتح مجال التنافس أمام التجار للحد من أزمة المشتقات النفطية، والاسهام في كبح جماح السوق السوداء، الذي ادخل تجار النفط على خط المضاربة على العملة وفاقم من معاناة الناس، خاصة وان تجارة النفط تعطي أرباح كبيرة قياساً بالسلع الأخرى، على ان تتم المعالجة من خلال:

  1. تمكين التجار والمستوردين من الدخول لسوق تجارة النفط في اليمن وفقاً للآلية المحددة بقرار الحكومة رقم (75) لعام 2018، دونما التفاف او تحايل على القرار.
  2. وضع رقابة مباشرة من قبل وزارة النفط ووزارة الصناعة والتجارة لعمليات الشراء والبيع للحد من أي احتكار، اذ يعد القرار الحكومي رقم (75) من اهم القرارات الحكومية الكابحة لاقتصاد الحرب.
  3. اعتماد الشفافية العالية عند وضع أي مناقصات مستقبلا لنقل الوقود والمشتقات النفطية الى مصافي عدن والموانئ اليمنية، وبما يضمن عدم احتكار عملية النقل، مع عدم تغيير بنود العطاءات، والتقيد بقانون المزايدات والمناقصات النافذ.
  4. منع دخول النفط المباع بشكل وهمي للشركات التابعة للحوثي والتي أشار اليها تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة (2018) ووضع كل شحنات النفط الداخلة لليمن للرقابة الدولية لمعرفة مصادرها والحد من نمو السوق السوداء تمهيدا لتجفيف مصادر أموال (محدثي النعمة).
  5. الغاء التعميم الصادر عن الحوثيين في 4 نوفمبر 2018 والذي يقتضي من جميع البنوك وفروعها عدم تغطية اصدار خطابات الاعتماد نقداً.
  6. سرعة إعادة تأهيل مصفاة عدن النفطية، وتمكين المصفاة من أداء دورها في توفير المشتقات النفطية، وفقاً لما كان سائد قبل الحرب.

أنهاء احتكار مادة الغاز المنزلي:

بما ان الأهمية تقتضي العمل على اتّخاذ الإجراءات المتصلة بالحدّ من احتكار مادة الغاز المنزلي والحد من التلاعب بمادة الغاز وسيطرة السماسرة والتجّار المحتكرين لها، والمضي قُدماً للقضاء على السوق السوداء التي انتشرت في صنعاء وبعض المدن اليمنية وباتت تتاجر بقوت المواطنين المغلوبين على أمرهم، مما ضاعف من المعاناة للمواطنين الواقعين تحت سيطرة الحوثيين.

وبما ان من مهام مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية OCHA تتمثل في التخفيف من المعاناة الإنسانية من خلال تنسيق العمل الإنساني الفعال والقائم على المبادئ لمناصرة قضايا المتضررين من السكان، والتي تنطلق على أساس ومبادئ العمل الإنساني، وتحديد الاحتياجات والأولويات، وان من اهم الأولويات التي يطلبها أي انسان توفير مادة الغاز المنزلي بما يمكنه من توفير الحد الأدنى من متطلبات اعداد الطعام في ظل الحروب.

نجد ان من الأهمية قيام مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية OCHA في اليمن بدوره في التخفيف من معاناة ملايين المواطنين الواقعين تحت سيطرة الحوثيين كدور أساسي ومكمل لدورهم الإنساني في التخفيف من معاناة المواطنين، ويمكن ان يتم ذلك من خلال التدخل المباشر وفق الخطوات التالية:

  1. تنسیق شراء الغاز المنزلي من شركة صافر بأشراف مكتب تنسیق الشؤون الإنسانية OCHA في الیمن لصالح الشركة الیمنیة للغاز.
  2. تحديد أسعار أسطوانة الغاز المنزلي باتفاق يبرم بین شركة صافر و مكتب تنسیق الشؤون الإنسانية OCHA في اليمن.
  3. توزيع مادة الغاز المنزلي على معارض البیع في مدیریات أمانة العاصمة، والمحافظات التي تقع تحت سيطرة الحوثیین وبشكل مباشر وفق كشفوات تحدد مسبقاً مع مكتب تنسیق الشؤون الإنسانية OCHA في الیمن.
  4. الغاء العمل بنظام التوزيع عبر مندوبي (اللجان الشعبية) التابعة للحوثیین وعقال الحارات (شيوخ الحارات)، وبما یضمن عدم تسریب الغاز للسوق السوداء لبيعها بأسعار مضاعفة.

على ان يضع مكتب تنسیق الشؤون الإنسانية OCHA في الیمن الالية الرقابية المناسبة لضمان وصول أسطوانات الغاز للمواطنين بالسعر المعتمد رسمیاً والمتفق علیه في الفقرة (2)، وبما یضمن عدم تسرب أسطوانات الغاز المنزلي للسوق السوداء.

في مجال عمل المنظمات الاغاثية:

من المهم إجراء تصحيح شامل لآلية العمل الاغاثي في اليمن من خلال انتهاج مبدأ اللامركزية في توزيع المساعدات ومراجعة قوائم الشركاء المحليين والموظفين المحليين العاملين في تلك المنظمات وضمان ايصال المعونات إلى مستحقيها دون تمييز.

على ان الاهمية تقتضي الافصاح عن تفاصيل توزيع المساعدات الإنسانية السابقة وذلك من خلال:

اولاً: الكشف عن حجم التمويلات التي حصلت عليها المنظمات خلال السنتين الماضيتين كمساعدات للشعب اليمني وأن توضح بشكل دقيق كيف صرفت ووزعت هذه الأموال وتوضيح التالي:

  1. حجم التكاليف التشغيلية وتوضيح كل بند فيها.
  2. تحديد المعايير التي تم بموجبها تقديم المساعدات
  3. حجم الاستهداف الجغرافي والسكاني على مستوى المحافظات والمديريات أو العزل.
  4. هل تمت عملية تسليم المساعدات مباشرة من المنظمة للمستفيدين، أم كان هناك أشخاص أو منظمات وسيطة؟ والكشف عن اسمائها مع حجم المساعدات لكل وسيط.
  5. الكشف عن أسماء الأطراف التي أعاقت عملية إيصال المساعدات للمحتاجين في كافة الأراضي اليمنية.
  6. الكشف عن المتورطين في إدخال مساعدات فاسدة أو لا تنسجم والمعايير إلى اليمن لاسيما تلك المساعدات التي قدمها برنامج الغذاء العالمي خلال السنتين الماضيتين وما هي الاجراءات التي تم اتخاذها بشأنهم؟

ثانياً: يجب على كل منظمة حصلت على تمويلات بهدف توزيعها كمساعدات عاجلة لليمنيين أن تقوم بإشهار خطتها الخاصة بتوزيع هذه المساعدات وكذلك تقارير الانجاز الربعية والسنوية ومن المهم:

  1. ألا تزيد نسبة التكاليف التشغيلية في مكاتب المنظمات في اليمن عن 5% من اجمالي المبالغ التي تحصل عليها.
  2. أن تحرص المنظمات على توزيع هذه المساعدات لسكان المناطق المهددة بالمجاعة والمحاصرة كتهامة وتعز ولحج والمناطق الأكثر تضرر كعمران وحجه.
  3. أن تعمل المنظمات على نشر تقاريرها المالية المفصلة أولاً بأول.
  4. التأكد من عدم تبعية المنظمات المحلية الشريكة للمنظمات الدولية للمليشيات الحوثية، كي لا يتم استخدام هذه المساعدات كوسيلة لاستغلال الفقراء والزج بهم لجبهات القتال، وتصير بذلك المساعدات اداة لتأجيج الحرب.

ثالثاً: أن تتضمن تقارير المنظمات معايير الجودة والشفافية ضمن النقاط التالية:

  1. مدى انطباق المبادئ الإنسانية حول فعالية المساعدات والمعايير المعتمدة عالمياً.
  2. أنشطة الرقابة على التنفيذ والانجاز وتقييم الأثر من قبل أطراف من خارج المنظمة.
  3. جودة الاستهداف: مدى تحقق استهداف أشد الضعفاء والمتضررين.
  4. جودة الكلفة: انجاز المشاريع بأدنى كلفة ممكنة.
  5. تضمين النوع الاجتماعي (المرأة – الطفل – المعاقين – الاسر المهمشة – المسنين…الخ).
  6. مدى استدامة المساعدات.
  7. أدوات الرقابة والمسائلة والشكاوى المطبقة.
  8. مدى تحقيق الشراكة والتمكين ورفع القدرات المحلية.
  9. إشراك المجتمع المدني المحلي والحكومي في مراحل التصميم والتنسيق والتنفيذ والمراقبة والتقييم.

معالجة التلاعب في الإعاشة الخاصة بأفراد القوات المسلحة

للحد من التلاعب في حصص الإعاشة الخاصة بأفراد القوات المسلحة، نجد ان معالجة ذلك يتم من خلال تفعيل دور المؤسسة الاقتصادية اليمنية للقيام بدورها في توريد الإمدادات الغذائية للقوات المسلحة، والعمل على وضع أسس تُمكن التحالف من الاعتماد على المؤسسة الاقتصادية اليمنية عوضاً عن الاعتماد على الموردين من التجار، مع وضع آلية رقابة عالية الشفافية وإخضاع المؤسسة لرقابة الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، والحد من التعاقدات المباشرة مع التجار لتوفير الإمدادات الغذائية للقوات المسلحة.

توصيات على المدى المتوسط

  • القيام بمساعدة البنك المركزي بإعادة الدورة النقدية للبنوك عوضاً عن التعامل الحالي مع الصرافين، والحد من المضاربة بالعملة نتيجة السيولة التي وجدت بيد (محدثي النعمة)، والتي تتعاظم فوائد أموالهم مع مرور الوقت نتيجة استمرار الحرب، والحد من غسيل الأموال، مع أهمية انشاء نظام لتامين الودائع لدي البنك المركزي اليمني في عدن وذلك للمساعدة في استعادة الثقة في البنوك اليمنية.
  • الاسهام الفاعل من قبل المجتمع الدولي لدعم البنك المركزي من خلال إزالة القيود المفروضة من هنا وهناك تجاه ربط النظام المصرفي اليمني بالبنوك الخارجية، والعمل على نزع المخاطر وبما يُمكّن البنك باستئناف العمليات المصرفية بسلاسة، مع أهمية قيام البنك الدولي بمساعدة البنك المركزي اليمني لوضع المعايير الدولية الفاعلة والضامنة لمكافحة غسيل الأموال ومحاربة تمويل الإرهاب.
  • استعادة الثقة في الاقتصاد اليمني من خلال المضي في الإصلاحات المؤسسية بكل جدية، وفي هذا الإطار نجد ان اول تلك الخطوات تتمثل في إعادة هيكلة البنك المركزي وتقديم العون الفني من قبل البنك الدولي لبناء القدرات لضمان استمرار الوظائف الأساسية المتمثلة في إدارة السيولة والنقد وإدارة الاحتياطي، وإدارة الديون السيادية، وإدارة تنظيم القطاع المصرفي والرقابة على البنوك، وإدارة التسويات وعمليات المقاصة.
  • المضي نحو فصل الخزانة العامة للدولة عن البنك المركزي اليمني كخطوة متقدمة تضمن إعادة تفعيل دور البنك المركزي، مع انشاء مصلحة الخزانة العامة كمصلحة حكومية خدمية تتبع وزارة المالية.
  • من الأهمية ان ندرك ان وضع المعالجات العملية للملف الاقتصادي في اليمن يعد المدخل للسلام الدائم، وان استدامة التسوية السلمية يعتمد بشكل أساسي على استدامة الاستقرار الاقتصادي، لذا فان العمل على تحديد المكاسب الاقتصادية لمختلف الأطراف ما بعد السلام يجب ان يتم وفق رؤية تتسم بالموضوعية من خلال توفير البيئة الاقتصادية الضامنة لمختلف الأطراف لخلق فرص عمل للشباب بعيداً عن حمل السلاح.
  • المساعدة في رفع راس المال الوطني للقيام بدورة في إعادة الاعمار، من خلال توفير الضمانات الاستثمارية، وإعادة دوران الاستثمار، والمساعدة في إدارة راس مال القطاع الخاص لتنفيذ مشاريع إعادة تأهيل البنية التحتية.
  • الدفع في اتجاه انشاء صندوق ضمان الاستثمار في اليمن، تُشارك في تمويله دول مجلس التعاون وصندوق النقد الدولي، ليعمل الصندوق كوكالة لضمان الاستثمار في اليمن لكافة المستثمرين الأجانب واليمنيين.
  • وضع أُسُسْ تضمن تمويل الأنشطة التجارية ومعالجة تدهور الامن الغذائي على المدي القصير والمتوسط، خاصة وان المعالجة التي تتم من خلال تقديم المساعدات المباشرة للسكان ماهي في الأصل الا أداة من أدوات استدامة الازمة الإنسانية، وان العمل على المعالجة الأساسية يجب ان تتم من خلال إعادة البنية التحتية المتضررة للنشاط التجاري لتحقيق الامن الغذائي، وان يتم وضع أولوية قصوى لهذا الجانب من قبل المانحين والاسهام في ضخ رؤوس الأموال للبنوك التجارية بهدف إعادة سيولتها وتسريع عملية التعافي الاقتصادي، وذلك كمدخل أساسي لتجفيف قنوات اقتصاد الحرب.
  • إعادة انشاء النظام الجمركي وفق أسس تضمن سرعة المناولة ويحقق مبدأ الرقابة المفروضة على استيراد السلع والبضائع، بما في ذلك إمكانية دراسة القيام بعملية الرقابة والتفتيش المسبق عبر طرف ثالث في مواني التصدير، او عبر شبكة يمكن اعتمادها من قبل الأمم المتحدة، مع أهمية تحسين الاليات المعتمدة حالياً من قبل الأمم المتحدة للتحقيق والتفتيش الخاصة بالسلع والبضائع المختلفة المصدرة لليمن، وبما يساعد على تحقيق اكبر قدر من الحركة التجارية ويحد من التهريب ونمو السوق الموازية والتي تتجذر من خلال اقتصاد الحرب.
  • يُعَدْ تمكين الايدي العاملة اليمنية من العمل في دول مجلس التعاون واعتماد آلية التكامل الاقتصادي فيما بين اليمن ومحيطها الإقليمي، عنصر أساسي من عناصر التعافي الاقتصادي والاجتماعي في اليمن، ويمكن الشروع في تنفيذ هذا الاتجاه بأطلاق مشروع يستهدف إعادة تأهيل وتدريب ما لا يقل عن 500 ألف مواطن يمني وزرعهم في مختلف الوظائف المتاحة بدول مجلس التعاون الخليجي كمرحلة أولى، على ان يتم بالتدريج استيعاب ما لا يقل عن مليون عامل للعمل في دول مجلس التعاون الخليجي.

والله ولي التوفيق …

نبيل حسن الفقيه

19 مارس 2019م

 

Standard
من كتاباتي

الحكومة بين الإصلاح والتغيير

بسم الله الرحمن الرحيم

مما لا شك فيه ان الحكومة قد فشلت في تنظيم علاقتها بمختلف الأطراف السياسية الداخلية والخارجية بعد ان كانت تتمتع بدعم محلي وخارجي منقطع النظير، وأضحت الحكومة مـع مـرور الوقـت تفتقـر الى الوجـود الحقيقـي علـى الأرض، مما أفقدها الدعـم السياسي الواسـع الـذي كانـت تتمتـع به … فنعكس كل ذلك سالباً على علاقة الحكومة بالمواطن نتيجة عدم قدرة الحكومة على السيطرة على المناطق المحررة، وعجزها في توفير الامن ولاستقرار، وعدم توفير الخدمات الأساسية الرئيسية.

لقد ادي كل ذلك الى فقدان الثقة بمؤسسات الدولة المختلفة، فكان ان اخفقت الحكومة في تقديم انموذج للحكم الرشيد في المناطق الخاضعة لسيطرتها باستثناء وان بشكل نسبي محافظة مارب ومحافظة حضرموت.

على من الانصاف ان لا نحمل الحكومة كل الإخفاق … فهناك طرف أساسي في المعادلة كان له الدور المحوري في الوصول الى هذا الوضع الكارثي … ودون مواربة نشير بوضوح الى ما تقوم به دولة الامارات العربية من ممارسة أدت الى حالة الا دولة في اليمن ، فقد مارست دولة الامارات دور الوصاية المطلقة على الدولة اليمنية ، فدعمت المليشيات المسلحة التـي قـوضت أركان الدولـة في اليمـن ومارست الدور المزدوج على الأرض فمن ناحية الامارات دخلت لإعادة الشرعية ومن ناحية أخرى الامارات تمنع الشرعية من العودة للمناطق المحررة ، كما ان منع الامارات للحكومة من الحفـاظ علـى مـا تبقـى مـن الدولـة قد صاحب كل مراحل استعادة الشرعية ، اذ منعت دولة الامارات الحكومة اليمنية من استغلال الموارد لتحسين الوضع الاقتصادي وتم إيقاف تصدير الغاز والنفط ، وسيطرت على الموانئ ،والمطارات فكان الانهيار الاقتصادي الذي اضعاف مؤسسـات الدولة واثر سلباً على الحكومة وحد من قدرتها على بسط الامن وقلص من نفوذها على كل المناطق الخاضعة للشرعية وأضعف من قدرتها على العمل بالشكل المطلوب.

لذا نجد ان اول خطوات الإصلاح والتغيير نحو الأفضل يتمثل في إعادة هندسة العلاقة بين التحالف والشرعية خاصة تحديد دور دولة الامارات العربية في إدارة المناطق الخاضعة للشرعية وضرورة وضع حد لمستوي التدخل في إدارة المرافق الخدمية خاصة المطارات والموانئ والمنشئات النفطية وإعادتها جميعها للسيادة اليمنية ،والعمل على دمج كل الكيانات المسلحة التي أنشأت خارج وزارتي الداخلية والدفاع في اطار الوزارتين وتحديد أسس العلاقة فيما بين كل اطراف التحالف واليمن ، والعمل على الحفاظ على الغطاء القانوني والدستوري لتدخل التحالف في اليمن من خلال الحفاظ على شرعية رئيس الجمهورية وفقاً للقرارات الدولية.

علي ان المضي في الاعداد للإصلاح والتغيير المطلوب للحكومة يجب ان يتم من خلال الاتفاق على منظومة واحدة تشمل اصلاح وتغيير الحكومة من ناحية وإعادة هندسة العلاقة بين الشرعية اليمنية والتحالف من ناحية أخرى، وبما يضمن لليمن سيادتها ووحدتها ونظامها الجمهوري وان يتم ذلك برعاية المملكة العربية السعودية كضامن لتنفيذ كل الأطراف لالتزاماتها.

ندرك ان الأهمية تقتضي سرعة تنشيط دور مختلف مؤسسات الدولة اليمنية في الداخل، وتوفير الخدمات الأساسية ومعالجة التحديات اليومية التي يواجها المواطن، وهذا لن يتاح مالم تبادر الشرعية بعد انجاز إعادة هندسة العلاقة مع التحالف الى القيام بأول الخطوات الجادة لإعادة تأسيس علاقتها الحكومة بالمواطن من خلال:

  • وضع الحكومة: بالنظر الى الأداء العام للحكومة وجد ان الشلل قد أصاب كل مفاصلها وفقدت الثقة فيما بينها وبين المجتمع المحلي والمجتمع الإقليمي والدولي، وأصاب الحكومة الترهل وانعدمت القدرة لدى الوزراء على احداث التغيير الإيجابي في الممارسات العملية اليومية ففقدت بذلك قدرتها على احداث التغيير الإيجابي مما اوجد حالة من الحنق على الشرعية ممثلة بفخامة الأخ الرئيس، ولا يمكن اغفال ما تمر به الحكومة من تردي لأوضاعها الإدارية والفنية.
  • حمايـة مؤسسـات الدولـة: يجـب عـلى الحكومـة حمايـة مـا تبقـى مـن مؤسسـات الدولـة وإبعادهـا عـن الصراعـات السياسـية، كمـا يجـب الحد من تقاسم المناصب بين الأحزاب السياسية، وإعادة الاحتكام للقانون عند التعيين في الوظيفة العامة، وإلغاء كل قرارات تعيين أقارب المسؤولين من الدرجة الأولى والثانية الذين لا تنطبق عليهم شروط التعيين والتوظيف.
  • الإدارة من الداخل اليمني: تواجد الحكومة على أراضي الجمهورية اليمنية بشكل دائم (وليس بالضرورة العمل في عدن) وللحكومة القدرة على ممارسة اعمالها في أي من المحافظات المحررة (سيئون مارب / المهرة / المكلا) مع اهمية نقـل جميع الموظفين للعمل في الداخل والحد من تواجد الوزراء في الرياض.
  • تعزيـز العلاقة بين الحكومة والسـلطات المحلية: اذ يجب العمـل بشـكل وثيـق مـع السـلطات المحلية في إطار تكامل الأدوار ومعالجة الاختلالات التي تظهر فيما بين السلطة المركزية والسلطة المحلية أولا بأول وعقد اللقاءات الدورية فيما بين الحكومة والسلطة المحلية بالمحافظات.
  • توفير الخدمـات الأساسية: السعي بكل جد واجتهاد لتوفـر الخدمات الأساسية مثـل الصحـة والتعليـم والكهربـاء والمياه … وقبل كل ذلك توفير الامن ووضع أسس لمعالجة القضايـا الملحة لكل محافظة وفق إطار زمني يتفق على تنفيذه مع السلطة المحلية.
  • دعم الأحزاب للحكومة: من الاهمية الاتفاق مع الأحزاب السياسية الداعمة للشرعية على دعم الحكومة، منع التنافس فيما بينها على الهيمنة داخل مؤسسات الدولة، بما في ذلك الامتناع عن التدخـل في عمـل السـلطات المحلية.
  • توفير الامن والاستقرار: ولتحقيق ذلك يحب ان تتظافر جهود مؤسسة الرئاسة مع الحكومة والضغط في اتجاه توفير الامن في المناطق الخاضعة للشرعية من خلال توحيد ودمـج جميـع الوحـدات العسـكرية والأمنية العاملة خارج إطار الشرعية تحـت قيـادة موحـدة تتبع وزارتي الدفاع والداخلية.
  • الية التعامل مع المساعدات الإنسانية: من الأهمية قيام الحكومة بالضغط على المنظمات الإنسانية والداعمين لتقديم تبرعاتهم عبر القنوات الرسمية، والاتفاق مع المنظمات على اليات التوزيع للمساعدات الإنسانية تتسم بالشفافية.
  • والله لي التوفيق …

    نبيل حسن الفقيه
    18 أكتوبر 2018م

    Standard
    من كتاباتي

    أولويات التنمية وإعادة الإعمار في اليمن

    بسم الله الرحمن الرحيم

    ينتظر اليمنيون بفارغ الصبر انقشاع الغمة وانتهاء الحرب الشرسة التي اكلت الأخضر واليابس ، اذ تزداد معاناة ابناء اليمن كبيرهم وصغيرهم فقيرهم وغنيهم مع مرور الايام ، فالى جانب الدماء الزكية التي تسيل دونما وجه حق من هنا وهناك تزداد حالة البؤس الاقتصادي والاجتماعي وتتعاظم المعاناة لدي مختلف شرائح المجتمع في اليمن شماله وجنوبه .

    لا يمكن اغفال ان اليمن قد عانت من المشاكل الاقتصادية المختلفة قبل الحرب العبثية التي مهّد لإشعال نارها الحوثيين ، فقد شكلت تلك المشاكل عوائق امام التنمية الشاملة التي كان الجميع يمني النفس بتحقيقها خلال الثلاثين السنة الماضية … فبجانب الفساد والإفساد الاداري الذي انعكس سلباً على كل مؤسسات الدولة انخفضت الموازنة العامة للدولة بشكل اثر سلباً على البنيان الاقتصادي الهش في اليمن مما عاظم من الاعباء الملقاة على عاتق الدولة ، فكان ان استغل الحوثيين ذلك للولوج الى رحم الدولة اليمنية فأوغلوا في تدمير البنيان المؤسسي للدولة اليمنية مستغلين في ذلك حاجة الناس للاستقرار الاقتصادي وتطلعاتهم لتأمين الحد الأدني من مقومات الحياة كتامين الغذاء والكساء و الاحتياجات الاساسية من السلع والمواد الرئيسية ، وحاجتهم كذلك لتوفير الخدمات الاساسية من كهرباء و مياة بالاضافة إلى خدمات التعليم والصحة.

    الكل يدرك ان ملف النزاع اليمني أضحى حبيس التجاذبات الإقليمية و الدولية ، فقد شل من يدي اليمنيين قرارهم ، وأصبح قرار الوصول الي إيقاف الحرب مناط بالدول الإقليمية التي تسعى الي تحقيق غاياتها السياسية ، وان كل الدول الفاعلة في الملف اليمني قد تعمدت اغفال وتجاهل المعاناة الانسانية التي يشهدها اليمن ، ولعل ما عانت منه اليمن من تفشي وباء الكوليرا وحمى الضنك وغيرها من الأمراض لدليل على ما يعاني منه جل اليمنين في مختلف المناطق ، كما ان الفقر والإفقار الذي ضرب مختلف شرائح المجتمع قد وضع اليمن في على راس قائمة الدول الأقل فقراً على مستوى العالم .

    لعل من الأهمية ان ندرك ان دوام الحال من المحال … فالشواهد التاريخية تدل على ان الصراعات المسلحة لا يمكن ان تدوم ، وان الانصياع الي صوت الحق وصوت العقل لابد ان يصل الي اذان الممسكين بتلابيب الملف اليمني طال الزمان او قصر ، وان بعد العسر يسر … لذا نجد ان من الأهمية التطلع الي مرحلة ما بعد الحرب مرحلة اعادة الاعمار بواقعية مفرطة ، و اجزم هنا ان دول الإقليم وهي الدول المعول عليها تحمل عب اعادة الاعمار في اليمن لن يكون بمقدورها الاسهام في اعادة الأعمار مثل ما كان إسهامها في تدمير اليمن خاصة وان الأوضاع الاقتصادية اقليمياً ودولياً تشير الى ان هناك انحسار اقتصادي سلبي سوف يوثر على دعم واسناد اليمن ما بعد الحرب ، لذا فان من الضروري النظر بواقعية لترتيب الاولويات ، وان الضرورة كذلك تستدعي اعادة هندسة الأولويات في مجال التنمية و ترتيبها بالتوازي مع متطلبات مرحلة إعادة الإعمار وفقاً للإمكانيات المتاحة.

    الواقع الاقتصادي الحالي
    مما لا شك فيه ان ٨٠٪ من البنية التحتية قد استهدفت من قبل طرفي الحرب في اليمن وان بشكل كبير من قبل التحالف ، وان جُل المنشآت العامة والخاصة قد طالها الدمار الكلي او الدمار الجزئي ، وان البنية التحتية المرتبطة بربط اليمن بمحيطه الخارجي قد شملها الدمار الكلي ، فقد دمرت المطارات والموانئ وطرق نقل … بالاضافة الى ان الاختلالات والاختناقات الكبيرة في كل القطاعات الإنتاجية والخدمية قد طالها الضرر المباشر مما أدى الي توقف عجلة التنمية بشكل تام ، وتعاظم كل ذلك مع هجرة راس المال الوطني وتوقف كل الشركات الاستثمارية و الشركات النفطية من العمل في اليمن ومع هذا التوقف توقف الرافد الاساسي للاقتصاد المتمثل في عوائد تصديرالنفط والغاز ، والعوائد من الرسوم والضرائب والجمارك وغيرها من الموارد الاساسية للدولة ، وزادة المعاناة الاقتصادية في اليمن بالقرارات الكارثية التي اتخذتها المملكة العربية السعودية تجاه المغتربين اليمنيين ، وعودة السواد الاعظم منهم لليمن ، وتوقفت تحويلات المغتربين لمدخراتهم والتي كانت تشكل دعم مباشر للاقتصاد اليمنين.

    من هنا يمكن لنا ان نقرأ الواقع الاقتصادي واستكشاف ملامحه من خلال :
    اولاً : الانخفاض الكبير في الموارد العامة… ويعتبر هذا نتيجة طبيعية لضعف الانشطة الاقتصادية وتوقف الكثير منها، كما ان الشلل التام قد اصاب قطاع النفط والغاز ففاقم ذلك من خسائر القطاع العام ، وأدى الى تدني الإيرادات العامة للدولة ، وسينعكس كل ذلك سلباً على التنمية و اعادة الاعمار.
    ثانياً : ارتفاع نسبة البطالة… حيث أدت الحرب الى ارتفاع معدل البطالة وأصبحت معظم شرائح المجتمع اليمني خارج سوق العمل وقد تتجاوز نسبة البطالة ٧٥٪ بين الشباب القادرين على العمل ، كما ان ارتفاع نسبة البطالة قد أدت الى زيادة نسبة الفقر ، وسيؤدي ذلك الى انخفاض الطلب الكلي في الاقتصاد مما ينعكس سلباً على مستوى دوران العجلة الاقتصادية.
    ثالثاً : العجز الكبير في ميزان المدفوعات … نتيجة عدم التوازن بين الإيرادات العامة والالتزامات ، فمما لاشك فيه ان توقف تصدير النفط والغاز وشح الموارد المالية الناتجة من الصادرات و توقف تحويلات المغتربين وتوقف الحركة السياحية قد جمد موارد الدولة من العملة الصعبة مع استمرار الطلب لتغطية فتح الاعتمادات او طلب تغطية التحويلات لاستيراد المواد الاساسية .
    رابعاً: انكماش الناتج الاجمالي المحلي … حيث يزيد الانكماش في الناتج المحلي الاجمالي عن ٨٠٪ ، نتيجة توقف الإنتاج في الكثير من المنشآت الاقتصادية ، مما انعكس سلباً على عدد كبير من المحافظات ، بالاضافة ان توقف صرف الرواتب ، قد أدى الي اتساع رقعة الفقر وتوقف عجلة الاقتصاد ، وتفشي الظواهر الاجتماعية السلبية ، كما ان غياب مؤسسات الدولة وحالة الا أمن وتفشي ظاهرة انتشار المليشيات المسلحة ، وفرض الاتاوات على المصانع و المنشآت ، كل ذلك قد أدى الي انكماش الناتج الاجمالي المحلي.
    خامساً: الانهيار الكبير في سعر الصرف … ان عدم استقرار سعر صرف العملات الأجنبية واستمرار تدهور سعر الريال اليمني امام مختلف العملات خاصة الدولار والريال السعودي قد أدى إلى انخفاض دخل المواطنين وجر ذلك معه اكثر من ٨٠٪ من عدد السكان الى مستوي خط الفقر ، بالاضافة الى الارتفاع الكبير في مستوي التضخم .

    سادساً: خروج رؤوس الأموال … هجرة عدد كبير من رجال الاعمال والبيوت التجارية للخارج ، حيث أدى عدم الأمن و الاستقرار الي هجرة رجال الاعمال، مما أثر سلبا على الاقتصاد بشكل عام وعلى البطالة بشكل خاص، وأدى ذلك إلى ارتفاع معدل البطالة والدخول في سلسلة من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي اثرت على معظم اليمنيين.

    باستعراضنا الموجز، نشير إلى ان ملامح الواقع الاقتصادي من الصعوبة ما يجعل اليمن تظل تحت صفيح ساخن وان توقفت آلة الحرب و هنا علينا طرح العديد من التساؤلات حول مدى قدرة الحكومة اليمنية (ما بعد الحرب) من القيام بواجباتها الاساسية ، ومدى استعدادها وقدرتها على الدخول في مرحلة إعادة الإعمار… ومن هذه الأسئلة :

    • اذا كانت الحكومة قد فشلت في القيام بوظائفها الاساسية في المحافظات التي تقع تحت سيطرتها ، فهل ستتمكن من الدخول في مرحلة اعادة الاعمار؟؟
    • ثم ماهو المنهج الذي ستعتمد عليه الحكومة لاعادة الاعمار ؟؟ وماهي الالية التي تضمن للدولة القيام بواجباتها عند الشروع في اعادة الاعمار؟؟
    • وكيف ستؤمن الحكومة تمويل اعادة الاعمار ؟؟

    أسئلة كثيرة تحتاج الي رؤية واضحة ، وتحتاج الى انفتاح على كل القوى الوطنية للإسهام في رسم ملامح المستقبل والمضي في وضع ترتيب دقيق للأولويات التي يمكن الانطلاق منها.

    ترتيب الأولويات
    مما لاشك فيه ان اعادة النازحين يجب ان توضع في سلم أولويات الحكومة ، وان اعادة المهجرين الي مساكنهم بعد ترميمها وإعادة الخدمات الأساسية إلى كل مناطق النزاع تعد من الأهمية بمكان ، مع إعادة تأهيل وتشييد البنى التحتية التي تضررت بشكل مباشر خاصة المدارس والمستشفيات والمرافق الخدمية الاخرى ، وسرعة إعادة تشغيل الموانئ والمطارات من خلال وضع مسار سريع يضمن حزمة من الإجراءات الكفيلة بتحقيق التنمية في زمن قياسي .

    كما ان اعادة الاعمار يجب ان تتعاضد مع القيام بتبني سياسة تحفيزية تستهدف تغيير حالة الانكماش في الناتج المحلي الاجمالي والمضي في التحفيز لخلق النمو الايجابي خاصة وان الانكماش قد فاقم من حالة البطالة ، وان من اهم الاولويات في هذا الجانب توسيع قاعدة التصنيع و توسيع قاعدة الطلب على الخدمات ، والتفكير العملي لانشاء ما لا يقل عن اربع مدن صناعية ، وتشجيع الاستثمار في قاعدة الخدمات ، وإعادة الهيبة لمؤسسات الدولة و ترسيخ اسس التعامل مع مؤسسات الدولة ، و تحقيق الأمن والاستقرار للمحافظات المنتجة للنفط والغاز ، و دعم المزارعين بشكل اساسي من خلال تقديم الدعم المالي المباشر للمنتجات الزراعية المحلية ، وكذا اسناد الصيادين في مختلف مناطق الاصطياد … وحتى نضمن من كل ذلك اعادة دوران العجلة الاقتصادية في حدها الأدنى .

    مراحل إعادة الإعمار
    يجب التوافق الوطني والاتفاق مع مختلف الاطراف لعقد الموتمر الوطني لاعادة الاعمار بحيث يتم

    • تحديد مراحل إعادة الاعمار وتحديد الاولويات والاتفاق على المنهجية والاليات التي سيتم اتباعها ،
    • تحديد مصادر التمويل المقبولة ، والشركاء المتوقع إسهامهم وكذا الترويج للاستثمار في البنية التحتية و بشكل فعال

    فمن المؤكد ان الحكومة ستواجه صعوبات جمه في توفير التمويل اللازم لاعادة الاعمار مما يستلزم معه الخروج عن المألوف في البحث عن تمويل اعادة الاعمار ، فاضافة لما ستقدمه الدول المانحة والمنظمات الانسانية من دعم ، فان على الحكومة المضي في اتجاه خلق الشراكة الفاعلة مع القطاع الخاص ، فيكون العمل على اقرار قوانين الشراكة فيما بين القطاع العام والقطاع الخاص كقانون الـ (build-operate-transfer) (BOT) الذي يتسم بسرعة التشييد والتشغيل ومن ثم نقل الملكية للدولة ، بالاضافة الي قانون الـ (PPP) (Public Partnership Projects) والذي يقوم على تامين و تنظم مشاريع التمويل المشترك فيما بين القطاع الخاص والقطاع الحكومى، لتنفيذ مشروعات البنية التحتية، ويصبح للقطاع الخاص حق إدارة المشاريع بعد الانتهاء منه لفترة زمنية طويلة ويعود المرفق بعدها إلى الحكومة مرة أخرى…على ان الأهمية تقتضي التركيز على:
    اولاً : انشاء جهاز موازي مستقل يسند اليه اعادة الاعمار على المستوي المركزي ، ليقوم بعملية ادارة جميع مراحل اعادة الاعمار من تخطيط وتصميم للسياسات وتنسيق محلي وخارجي وليشكل هذا الجهاز حلقة الوصل الرئيسية مع المانحين والمنظمات الدولية والحكومة والمجالس المحلية والقطاع الخاص واصحاب المصالح المحليين ، بالاضافة الي الإشراف على صندوق اعادة الاعمار… على ان يرأس هذا الجهاز نائب لرئيس مجلس الوزراء متفرغ لإدارته ، وليتمتع بكافة الصلاحيات التي تمكنه من الفصل في اي تداخلات فيما بينه وبين الوزارات الخدمية المعنية والمجالس المحلية ، على ان يتم انشاء هذا الجهاز بشفافية عالية بحيث يتم اختيار العاملين في الجهاز التنفيذي له من خلال المنافسة المعلنة وبما يضمن اتصاف العناصر التي يتم اختيارها بالكفاءة والخبرة العالية ، وبالقدرة على العمل بعيدا عن الروتين و البيروقراطية الادارية ، وان لا يتم ضم هذا الجهاز لكادر الخدمة المدنية ، بل منحه الاستقلال المالي والاداري مع رفد الجهاز التنفيذي بخبراء محليين وخارجين من ذوي الاختصاص من القطاعين العام والخاص، بهدف التقييم والمتابعة لمشاريع البناء والإعمار والاسترشاد بهم لتصحيح المسار ، وان يتم نسج علاقة تعاون وتكامل فيما بين الوزارات القطاعية وبالمجالس المحلية في المحافظات وبمشاركة اصحاب المصالح من منظمات المجتمع المحلي في عموم المحافظات والمديريات ، مع انشاء لجنة عليا للرقابة على هذا الجهاز يتم اقرار تشكيلها من قبل مجلس النواب بحيث يمثل في عضويتها منظمات المجتمع المدني ، والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، والهيئة العليا للرقابة على الفساد ، وأعضاء من مجلس النواب.
    ثانياً : تأسيس صندوق خاص بإعادة الإعمار ، بحيث يصب في هذا الصندوق كل الأموال المخصصة لاعادة الاعمار سواء ما قدم من إعانات ومساعدات او ما يقدم من المانحين الدوليين ، او ما تخصصه الدولة في اطار موازناتها السنوية ، بالإضافة إلى تخصيص موارد بنِسَب محددة من موارد الدولة المركزية والمحلية لدعم صندوق اعادة الاعمار.
    ثالثاً : اقرار حزمة من التشريعات الاساسية لتغطية الجوانب القانونية لمشاريع إعادة الإعمار، ومن ذلك اقرار القوانين ذات الصِّلة بمشاركة القطاع الخاص كالقوانين السالفة الذكر ( قانون BOT وقانون PPP ) .
    مصادر التمويل
    سبق الإشارة الي ان اليمن سيواجه تحديات جمه لتأمين تمويل اعادة الاعمار من هنا نجد ان الاعتماد على المصادر المحلية سيكون هو الأساس لإعادة الاعمار في اليمن ، وهذ يتطلب القيام بسلسلة من الإجراءات في طليعتها اقرار بعض التعديلات القانونية التي تجيز توظيف جزء من موارد الدولة لصالح اعادة الاعمار دون اللجوء الى فرض اعباء جديدة على المواطن ودون الخوض في اقرار اي رسوم او ضرائب جديده ، وفِي هذا الصدد يُقترح مايلي :

    1. اقرار تعديلات قانونية تجيز تخصيص نسب تناقصية من ايرادات الصناديق الخاصة التي انشأت منذ سنوات بحيث تحدد النسبة في السنة الاولي ب٦٠٪ وفِي السنة الثانية ب ٥٠٪ وفِي السنة الثالثة ب٤٠٪ ثم يتم تثبيت النسبة عند ٢٠٪ من ايرادات الصناديق لصالح صندوق اعادة الاعمار.
    2. اقرار توظيف ٣٠٪ من موارد مبيعات النفط والغاز لصالح اعادة الاعمار بحيث تسهم هذه الموارد بشكل خاص في المرحلة الاولى على اعادة الاعمار في المناطق المنتجة للنفط والغاز.
    3. اللجوء إلى الاقتراض من الدول والمؤسسات المالية الشقيقة والصديقة بشروط ميسرة لتوفير السيولة التي تساعد على السرعة في إنجاز المشاريع، رغم المساوئ الناتجة عن هذا الاقراض والمتمثلة في ارتفاع نسبة الدين الخارجي الي الناتج المحلي الاجمالي ووضع عبء مالي إضافي على الموازنة العامة للدولة ، الا ان هذا افضل من الاقتراض من المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي، والتي غالبا ما تفرض هذه المؤسسات على الدول المقترضة، شروطا اقتصادية صعبة وتنازلات سياسية تمس بالسيادة وتضع البلاد رهينة لهذه المؤسسات لمدة طويلة.
    4. إعادة هيكلة الإيرادات العامة ، وترشيد اي دعم مقدم لأي قطاع خدمي ، مع محاربة التهرب الضريبي و النظر بواقعية إلى امر خصخصة بعض الأصول التي لم تعد منتجة بل أصبحت تمثل عبء على الموازنة العامة ، على الرغم من ان هذا الامر لن يتم بالشكل السريع اذ يتطلب اقرار عملية الخصخصة إجراء دراسات معمقة واتخاذ قرارات حصيفة تولي امر عدم تاثر العاملين في القطاع المخصخص اهمية لا تقل عن اهمية استمرار الخدمات .
    5. مع اقرار حزمة القوانين سالفة الذكر (BOT)، (PPP) لخلق الشراكة الفاعلة مع القطاع الخاص ، لابد من الاتجاه نحو اعتماد تأسيس الشركات المساهمة العملاقة والتي يسهم فيها اليمنيين بمختلف شرائحهم و بشكل خاص المغتربين ، بالاضافة الى المستثمرين من مختلف دول العالم ، وكذا اسهام مؤسسات الدولة الايرادية في تلكم الشركات وبما لا يزيد عن ٣٠٪ فقط من رأس مال كل شركة مساهمة ، وذلك لتمكين القطاع الخاص من ادارة تلك الشركات باحترافية عالية تنعكس إيجابياً على الجميع ، مع منح هذه الشركات الأولوية في انشاء وتنفيذ مشاريع إعادة الإعمار، بالاضافة إلى المزايا التحفيزية.
    6. قيام الحكومة باتخاذ الاجراءات الكفيلة بدخول الشركات العالمية العملاقة في عملية استخراج النفط والغاز ، واتخاذ القرارات السريعة التي تضمن اجراء عقود مع شركات ذات مكانة دولية في مجال الصناعات الاستخراجية ، وسرعة اعادة الشركات التي انسحبت من اليمن وبما يضمن اعادة تصدير النفط والغاز وتأمين خطوط نقل النفط والغاز وتحسين بيئة الاستثمار في القطاع النفطي.

    ليس بالأمر الهين واليسير المضي في اعادة الاعمار واحداث تنمية متوازية في ظل عدم الأمن والامان وعدم الاستقرار السياسي ، وفِي ظل تجاذب الاطراف السياسية لمصالحها الذاتية …لذا نجد ان الأهمية تقتضي الدخول في مرحلة المصالحة الوطنية في أسرع وقت ممكن بهدف تضميد الجراح وإعادة اللحُمة الى الجسد اليمني ، والتوافق على اعادة الاعمار كمخرج اساسي من مخرجات المصالحة الوطنية .

    والله من وراء القصد ،،،،
    نبيل حسن الفقيه
    23 يونيو 2018

    Standard